فهرس الكتاب

الصفحة 1597 من 2833

ضرب شرب الخمر ، ثم ضرب القاذف . قالوا: لأنّ سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب ، إلاّ أنه عوقب صيانة للأعراض وردعًا عن هتكها . فإن قلت: فإذا لم يكن المقذوف محصنًا ؟ قلت: يعزر القاذف ولا يحدّ ، إلاّ أن يكون المقذوف معروفًا بما قذف به فلا حدّ ولا تعزير . ردّ شهادة القاذف معلق عند أبي حنيفة رضي الله عنه باستيفاء الحدّ ، فإذا شهد قبل الحدّ أو قبل تمام استيفائه قبلت شهادته ، فإذا استوفى لم تقبل شهادته أبدًا وإن تاب وكان من الأبرار الأتقياء . وعند الشافعي رضي الله عنه: يتعلق ردّ شهادته بنفس القذف ، فإذا تاب عن القذف بأن رجع عنه ، عاد مقبول الشهادة ، وكلاهما متمسك بالآية ، فأبو حنيفة رضي الله عنه جعل جزاء الشرط الذي هو الرمي: الجلد ، وردّ الشهادة عقيب الجلد على التأبيد ، فكانوا مردودي الشهادة عنده في أبدهم وهو مدّة حياتهم ، وجعل قوله: { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } كلامًا مستأنفًا غير داخل في حيز جزاء الشرط ، كأنه حكاية حال الرامين عند الله بعد انقضاء الجملة الشرطية . و { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ } استثناء من الفاسقين . ويدلّ عليه قوله: { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } والشافعي رضي الله عنه جعل جزاء الشرط الجملتين أيضًا ، غير أنه صرف الأبد إلى مدّة كونه قاذفًا ، وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف وجعل الاستثناء متعلقًا بالجملة الثانية . وحق المستثنى عنده أن يكون مجرورًا بدلًا من ( هم ) في { لَهُمْ } وحقه عند أبي حنيفة رضي الله عنه أن يكون منصوبًا لأنه عن موجب ، والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط ، كأنه قيل: ومن قذف المحصنات فاجلدوهم وردّوا شهادتهم وفسقوهم أي: فاجمعوا لهم الجلد والردّ والتفسيق ، إلاّ الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإنّ الله يغفر لهم فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين . فإن قلت: الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع ، والقاذف من المسلمين يتوب عن القذف فلا تقبل شهادته عند أبي حنيفة رضي الله عنه . كأن القذف مع الكفر أهون من القذف مع الإسلام ؟ قلت: المسلمون لا يعبئون بسبب الكفار ؛ لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم بالباطل ، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشين والشنار ما يلحقه بقذف مسلم مثله ، فشدّد على القاذف من المسلمين ردعًا وكفًا عن إلحاق الشنار . فإن قلت: هل للمقذوف أو للإمام أن يعفو عن حدّ القاذف ؟ قلت: لهما ذلك قبل أن يشهد الشهود ويثبت الحدّ ، والمقذوف مندوب إلى أن لا يرافع القاذف ولا يطالبه بالحدّ . ويحسن من الأمام أن يحمل المقدوف على كظم الغيظ ويقول له: أعرض عن هذا ودعه لوجه ال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت