فهرس الكتاب

الصفحة 1400 من 2833

التمييز ، ومن الغباوة التي ليس بعدها غباوة: كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق ، وساقه أرشق مساق ، مع استعمال المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن ، منتصحًا في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا ، حدّث أبو هريرة قال:

( 663 ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام: إنك خليلي ، حسن خلقك ولو مع الكفار ، تدخل مداخل الأبرار ، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه: أُظله تحت عرشي ، وأُسكنه حظيرة القدس ، وأُدنيه من جَواري ) وذلك أنه طلب منه أولا العلة في خطئه طلب منبه على تماديه ، موقظ لإفراطه وتناهيه ، لأن المعبود لو كان حيًا مميزًا ، سميعًا بصيرًا ، مقتدرًا على الثواب والعقاب ، نافعًا ضارًا ، إلا أنه بعض الخلق: لاستخفّ عقل من أهله للعبادة ووصفه بالربوبية ، ولسجل عليه بالغيّ المبين والظلم العظيم وإن كان أشرف الخلق وأعلاهم منزلة كالملائكة والنبيين قال الله تعالى: { كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } وذلك أن العبادة هي غاية التعظيم ، فلا تحق ، إلا لمن له غاية الإنعام: وهو الخالق الرازق ، المحيي المميت ، المثيب المعاقب ، الذي منه أصول النعم وفروعها . فإذا وجهت إلى غيره وتعالى علوًا كبيرًا أن تكون هذه الصفة لغيره لم يكن إلا ظلمًا وعتوًا وغيًا وكفرًا وجحودًا ، وخروجًا عن الصحيح النير إلى الفاسد المظلم ، فما ظنك بمن وجه عبادته إلى جماد ليس به حس ولا شعور ؟ فلا يسمع يا عابده ذكرك له وثناءك عليه ، ولا يرى هيآت خضوعك وخشوعك له . فضلًا أن يغني عنك بأن تستدفعه بلاء فيدفعه ، أو تسنح لك حاجة فيكفيكها . ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقًا به متلطفًا فلم يسم أباه بالجهل المفرط ، ولا نفسه بالعلم الفائق ، ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم وشيئًا منه ليس معك ، وذلك علم الدلالة على الطريق السوي فلا تستنكف ، وهب أني وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك ، فاتبعني أُنجك من أن تضل وتتيه . ثم ثلث بتثبيطه ونهيه عما كان عليه: بأن الشيطان الذي استعصى على ربك الرحمان الذي جميع ما عندك من النعم من عنده ، وهو عدوّك الذي لا يريد بك إلا كل هلاك وخزي ونكال وعدو أبيك آدم وأبناء جنسك كلهم هو الذي ورّطك في هذه الضلالة وأمرك بها وزينها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت