جبل: وقضاء ربك . ولا يجوز أن يتعلق الباء في بالوالدين بالإحسان: لأن المصدر لا يتقدّم عليه صلته { إِمَّا } هي ( إن ) الشرطية زيدت عليها ( ما ) تأكيدًا لها ، ولذلك دخلت النون المؤكدة في الفعل ، ولو أفردت ( إن ) لم يصح دخولها ، لا تقول: إن تكرمن زيدًا يكرمك ، ولكن إما تكرمنه . و { أَحَدُهُمَا } فاعل يبلغنّ ، وهو فيمن قرأ ( يبلغان ) بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين و { كِلاَهُمَا } عطف على أحدهما فاعلًا وبدلًا . فإن قلت: لو قيل إما يبلغان كلاهما ، كان كلاهما توكيدًا لا بدلا ، فمالك زعمت أنه بدل ؟ قلت: لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيدًا للاثنين ، فانتظم في حكمه ، فوجب أن يكون مثله . فإن قلت: ما ضرّك لو جعلته توكيدًا مع كون المعطوف عليه بدلًا ، وعطفت التوكيد على البدل ؟ قلت: لو أريد توكيد التثنية لقيل: كلاهما ، فحسب ، فلما قيل: أحدهما أو كلاهما ، علم أنّ التوكيد غير مراد ، فكان بدلًا مثل الأول { أُفٍّ } صوت يدل على تضجر . وقرىء: ( أف ) بالحركات الثلاث منونًا وغير منون: الكسر على أصل البناء ، والفتح تخفيف للضمة والتشديد كثم ، والضم إتباع كمنذ . فإن قلت: ما معنى عندك ؟ قلت: هو أن يكبرا ويعجزا ، وكانا كلا على ولدهما لا كافل لهما غيره ، فهما عنده في بيته وكنفه ، وذلك أشق عليه وأشدّ احتمالًا وصبرًا ، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال الطفولة ، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب والاحتمال ، حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤنهما: أف ، فضلًا عما يزيد عليه . ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ، ونظمهما في سلك القضاء بهما معًا ، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضجر ومقتضياته ، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في استطاعة { وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك . والنهي والنهر والنهم: أخوات { وَقُل لَّهُمَا } بدل التأفيف والنهر { قَوْلًا كَرِيمًا } جميلًا ، كما يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروءة . وقيل: هو أن يقول: يا أبتاه ، يا أماه ، كما قال إبراهيم لأبيه: ياأبت ، مع كفره ، ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفا وسوء الأدب وعادة الدعار . قالوا: ولا بأس به في غير وجهه ، كما قالت عائشة رضي الله عنها: نحلني أبو بكر كذا . وقرىء: ( جناح الذل ) ، الذل: بالضم والكسر فإن قلت: ما معنى قوله { جَنَاحَ الذُّلّ } ؟ قلت: فيه وجهان ، أحدهما: أن يكون المعنى: واخفض لهما جناحك كما قال { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } ( الحجر: 88 ) فأضافه إلى الذل أو الذلّ ، كما أضيف حاتم