فهرس الكتاب

الصفحة 1278 من 2833

اللباس المستعار ، فما وجه صحة إيقاعها عليه ؟ قلت: أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمسّ الناس منها ، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر ، وأذاقه العذاب: شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المرّ والبشع . وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس: ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث . وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف ، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس ، فكأنه قيل: فأذاقه ما غشيهم من الجوع والخوف ، ولهم في نحو هذا طريقان لا بد من الإحاطة بهما ، فإن الاستنكار لا يقع إلا لمن فقدهما ، أحدهما: أن ينظروا فيه إلى المستعار له ، كما نظر إليه ههنا . ونحوه قول كثير: % ( غَمْرُ الرِّدَاءِ إذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكا % غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقَابُ المَالِ ) %

استعارة الرداء للمعروف ، لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه . ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال ، لا صفة الرداء ، نظر إلى المستعار له . والثاني: أن ينظروا فيه إلى المستعار ، كقوله: % ( يُنَازِعُنِي رِدَائِي عَبْدُ عَمْرو % رُوَيْدَكَ يَا أَخَا عَمْرو بْنِ بَكْر ) % % ( ليَ الشطْرُ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِيِني % وَدُونَكَ فَاعْتَجِرْ مِنْهُ بِشَطْرِ ) %

أراد بردائه سيفه ، ثم قال: فاعتجر منه بشطر ، فنظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار ، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقيل: فكساهم لباس الجوع والخوف ، ولقال كثير: ضافي الرداء إذا تبسم ضاحكًا { وَهُمْ ظَالِمُونَ } في حال التباسهم بالظلم ، كقوله: ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) نعوذ بالله من مفاجأة النقمة والموت على الغفلة . وقرىء: ( والخوف ) عطفًا على اللباس ، أو على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه . أصله: ولباس الخوف . وقرىء: ( لباس الخوف والجوع ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت