المقتسمون { الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءانَ عِضِينَ } حيث قالوا بعنادهم وعدوانهم بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل ، وبعضه باطل مخالف لهما ، فاقتسموه إلى حق وباطل ، وعضوه . وقيل: كانوا يستهزؤن به فيقول بعضهم: سورة البقرة لي ، ويقول الآخر: سورة آل عمران لي ، ويجوز أن يراد بالقرآن: ما يقرؤنه من كتبهم ، وقد اقتسموه بتحريفهم ، وبأنّ اليهود أقرّت ببعض التوراة وكذبت ببعض ، والنصارى أقرت ببعض الإنجيل وكذبت ببعض ، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم ، وقولهم سحر وشعر وأساطير ، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم . والثاني أن يتعلق بقوله: { وَقُلْ إِنّى أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ } ( الحجر: 89 ) أي: وأنذر قريشًا مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين ، يعني اليهود ، وهو ما جرى على قريظة والنضير ، جعل المتوقع بمنزلة الواقع ، وهو من الإعجاز ؛ لأنه إخبار بما سيكون وقد كان . ويجوز أن يكون الذين جعلوا القرآن عضين منصوبًا بالنذير ، أي: أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير ، مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم ، فقعدوا في كل مدخل متفرّقين لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر . ويقول الآخر: كذاب ، والآخر: شاعر ، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات ، كالوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب وغيرهم ، أو مثل ما أنزلنا على الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحًا عليه السلام ، والاقتسام بمعنى التقاسم . فإن قلت: إذا علقت قوله: { كَمَآ أَنْزَلْنَا } بقوله: { وَلَقَدْ ءاتَيْنَاكَ } ( الحجر: 87 ) فما معنى توسط { لاَ تَمُدَّنَّ } ( الحجر: 88 ) إلى آخره بينهما ؟ قلت: لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم ، اعترض بما هو مدد لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ، ومن الأمر بأن يقبل بمجامعه على المؤمنين { عِضِينَ } أجزاء ، جمع عضة ، وأصلها عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء . قال رؤبة: % ( وَلَيْسَ دينُ اللَّهِ بِالْمَعْضِيِّ ;
وقيل: هي فعلة ، من عضهته إذا بهته . وعن عكرمة: العضة السحر ، بلغة قريش ، يقولون للساحر عاضهة .