فهرس الكتاب

الصفحة 1093 من 2833

الجودة والفضل . ويقال: فلان من بقية القوم ، أي من خيارهم . وبه فسر بيت الحماسة:

إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي بَقِيَّتُكُمْ

ومنه قولهم: في الزوايا خبايا ، وفي الرجال بقايا . ويجوز أن تكون البقية بمعنى البقوى ، كالتقية بمعنى التقوى ، أي: فهلا كان منهم ذوو بقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه ، وقرىء: ( أولو بقية ) ، بوزن لقية ، من بقاه يبقيه إذا راقبه وانتظره ومنه:

( 536 ) ( بقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) والبقية المرّة من مصدره . والمعنى: فلو كان منهم أولو مراقبة وخشية من انتقام الله ، كأنهم ينتظرون إيقاعه بهم لإشفاقهم { إِلاَّ قَلِيلًا } استثناء منقطع ، معناه: ولكن قليلًا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد ، وسائرهم تاركون للنهي . و { مِنْ } في { مّمَّنْ أَنجَيْنَا } حقها أن تكون للبيان لا للتبعيض ؛ لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم ، بدليل قوله تعالى: { أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوء وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ } ( الأعراف: 165 ) . فإن قلت: هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه ؟ قلت: إن جعلته متصلا على ما عليه ظاهر الكلام ، كان المعنى فاسدًا ؛ لأنه يكون تخصيصًا لأولى البقية على النهي عن الفساد ، إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم ، تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن وإن قلت: في تحضيضهم على النهي على الفساد معنى نفيه عنهم ، فكأنه قيل: ماكان من القرون أولو بقية إلا قليلًا ، كان استثناء متصلا ومعنى صحيحًا ، وكان انتصابه على أصل الاستثناء ، وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل { وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ } أراد بالذين ظلموا: تاركي النهي عن المنكرات ، أي: لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين ، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعقدوا هممهم بالشهوات ، واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والتترف ، من حب الرياسة والثروة ، وطلب أسباب العيش الهنيء . ورفضوا ما وراء ذلك ونبذوه وراء ظهورهم . وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفي ، ( واتبع الذين ظلموا ) ، يعني: واتبعوا جزاء ما أترفوا فيه . ويجوز أن يكون المعنى في القراءة المشهورة: أنهم اتبعوا جزاء إترافهم . وهذا معنى قويّ لتقدم الإنجاء ، كأنه قيل: إلا قليلًا ممن أنجينا منهم وهلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت