وأما حديث صهيب هذا فلا يصحّ. ومحمد بن موسى النسائي هذا لم أجد له ذكرًا في أيّ كتاب! وقد حصل قلبٌ وتحريفٌ في اسمه، والصواب: محمد بن موسى الشيباني. وهو من شيوخ أحمد بن الحسن الترمذي (تهذيب الكمال: 1/ 291) . ومحمد بن موسى يروي عن دفاع بن دغفل (الجرح والتعديل: 3/ 445) .
قال ابن أبي حاتم في (( الجرح والتعديل ) ) (8/ 84) :"محمد بن موسى بن بزيع الشيباني الجريري، أبو عبدالله، بصري ... كتب عنه أبي أيام الأنصاري، وروى عنه. سئل أبي عنه؟ فقال: شيخ".
قلت: تفرد به محمد بن موسى! وهو ليس بذاك المشهور! وشيخه دفاع متكلّم فيه. قال ابن أبي حاتم في (( الجرح والتعديل ) ) (3/ 445) : سمعت أبي وسألته عن دفاع؟ فقال:"ضعيف الحديث". وذكره ابن حبان في (( الثقات ) ) (8/ 237) !
قلت: أحاديثه عن عبدالحميد بن صيفي لا يتابعه عليها أحد، وهي مناكير.
هل لمليكة بنت عمرو صُحبة؟
ذكرها ابن عبدالبر في الصحابة، فقال في (( الاستيعاب ) ) (4/ 1914) :"مليكة بنت عمرو الزيدية من زيد اللات بن سعد. حديثها عند زهير بن معاوية عن امرأة من أهله عنها".
وقال المزي في (( تهذيب الكمال ) ) (35/ 310) :"عدادها في الصحابة".
وقال ابن حجر في (( التقريب ) ) (ص753) :"مليكة بنت عمرو السعدية في ألبان البقر. يُقال لها صحبة، ويقال تابعية. من الثالثة".
وقال في (( الإصابة في تمييز الصحابة ) ) (القسم الأول) (8/ 122) :"مليكة بنت عمرو الأنصارية من بني زيد اللات بن سعد. ذكرها أبو عمر فقال حديثها عند زهير ... قلت: أخرجه أبو داود في (( المراسيل ) )ووصله ابن منده، وأخرج في ترجمتها أيضًا ما أخرجه ابن أبي عاصم في (( الوحدان ) )من طريق ابن وهب، قال: كتب إليّ حمزة بن عبدالواحد بن محمد بن عمرو بن حلحل، عن محمد بن عمر: أنّ مليكة أخبرته: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم بقوم قد خسف بهم فقد أظلت الساعة. وهو بعلو عند ابن منده أيضًا، ولم ينسب مليكة في هذا الخبر الثاني، فيحتمل أن تكون أخرى".
قلت: حديثها مرسلٌ، وكانت في زمن عمر بن الخطاب، فهي تابعية. ولا أدري ما معنى قول ابن حجر:"وقد وصله ابن منده"؟! فذكر أبي داود له في المراسيل يعني أنها تابعية، ولا صحبة لها، فإذا وصله ابن منده وذكر صحابيّ الحديث، فهذا يؤكد أنها تابعية! وإذا قصد أنها صرحت بما يدل على صحبتها، فأين هو؟ ولِمَ لم يذكره الحافظ ابن حجر؟!
وما فعله ابن مندة من إيراده الحديثين في ترجمة مليكة بنت عمرو فعله أيضًا ابن الأثير في (( أُسد الغابة ) ) (ص1415) .
قلت: ولكن الخبر الثاني ليس لمليكة بنت عمرو هذه. وإنما هي مليكة أخرى. أخرج حديثها ابن أبي عاصم في (( الآحاد والمثاني ) ) (6/ 248) (مليكة) ، قال: حدثنا إسماعيل بن عبدالله، قال: حدثنا عثمان بن صالح، قال: حدثنا عبدالله بن وهب، قال: كتب إليّ حمزة ابن عبدالواحد بن محمد بن عمرو بن حَلْحَلة، عن محمد بن عمرو: أنّ مليكة أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إذا سمعتم بقوم قد خسف بهم، فقد أظلت الساعة ) ).
قلت: هكذا جاء في المطبوع من كتاب ابن أبي عاصم وكذلك الإصابة وأسد الغابة:"حمزة بن عبدالواحد بن محمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمرو"!! وهذا خطأ، والصواب:"حمزة بن عبدالواحد، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو!"
وقد ترجم البخاري في (( التاريخ الكبير ) ) (3/ 52) :"حمزة بن عبد الواحد"، وكذلك ابن أبي حاتم في (( الجرح والتعديل ) ) (3/ 213) ، وقال: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال:"مكيّ ثقة". وذكره ابن حبان في (( الثقات ) ) (6/ 228) .
ومحمد بن عمرو بن حلحلة الديلي المديني، وشيخه محمد بن عمرو بن عطاء بن عباس ابن علقمة العامري القرشي المديني، ثقتان، خرّج لهما البخاري وغيره.
ورُوي هذا الحديث بطرقٍ أخرى، وفي إسناده اختلافٌ على محمد بن عمرو بن عطاء! وكذلك في متنه اختلافٌ خفيفٌ!
رواه نُعيم بن حماد في كتاب (( الفتن ) ) (1/ 211) عن ابن وهب، عن حمزة بن عبدالواحد، قال: حدثني محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عبدالله بن صفوان بن أمية، عن حفصة زوج النبيّ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا سمعتم بناس يأتون من قبل المشرق -أو كورها- يعجب الناس من زيهم، فقد أظلتكم الساعة ) ).
ورواه محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن بَقِيرة امرأة القعقاع، قالت: إني لجالسة في صفة النساء، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب -وهو يشير بيده اليسرى-، فقال: (( يا أيها الناس، إذا سمعتم بخسف ههنا قريبًا، فقد أظلت الساعة ) ). (أخرجه أحمد في المسند: 6/ 379) .
قلت: أما حديث نعيم بن حماد فكأنه دخل له إسناد في إسناد؛ لأن لعبدالله بن صفوان بن أمية حديثًا في هذا عن حفصة، وقد اختلف عليه فيه كما بيّن البخاري في ترجمته من التاريخ الكبير (5/ 118) . والصواب: عن حمزة بن عبدالواحد، عن محمد بن عمرو بن حَلْحَلة، عن محمد بن عمرو، عن مليكة.
وكذلك حديث ابن إسحاق، فرواه عنه سلمة بن الفضل وعبد ربّه بن نافع أبو شهاب الحناط كما عند الطبراني في (( المعجم الكبير ) ) (24/ 204) ، وكأنه دخل لابن إسحاق إسناد في إسناد، فقد روى سلمة عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبدالرحمن بن موسى، عن عبدالله بن صفوان، عن حفصة ابنة عمر، والمحفوظ عن ابن إسحاق في حديث بقيرة: عن ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن بقيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
والكلام على هذه الأسانيد يطول، وتفصيله في مكان آخر. والصواب هو ما رواه حمزة بن عبدالواحد، عن محمد بن عمرو بن حَلْحَلة، عن محمد بن عمرو، عن مليكة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وهذا إسنادٌ حسن. ويشهد له حديث بقيرة السابق، فتكون مليكة وبقيرة سمعتا الحديث من النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكانتا في صفة النساء، والله تعالى أعلم وأحكم.
وكتب خالد الحايك.