ـ [أبو محمد الحنبلي] ــــــــ [29 - May-2009, مساء 09:47] ـ
عن ابن عباس في قوله: * (و إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك) * قال:
"تشاورت قريش ليلة بمكة , فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي"
صلى الله عليه وسلم , و قال بعضهم: اقتلوه , و قال بعضهم: بل أخرجوه , فأطلع
الله عز وجل نبيه على ذلك , فبات علي على فراش النبي صلى الله عليه وسلم تلك
الليلة , و خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار , و بات المشركون
يحرسون عليا , يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا ثاروا إليه , فلما
رأوا عليا رد الله مكرهم , فقالوا: أين صاحبك هذا ? قال: لا أدري , فاقتصوا
أثره , فلما بلغوا الجبل خلط عليهم , فصعدوا في الجبل , فمروا بالغار , فرأوا
على بابه نسج العنكبوت , فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ,
فمكث فيه ثلاث ليال"."
قال ابن كثير عقبه:
"و هذا إسناد حسن , و هو من أجود ما روي في قصة العنكبوت على فم الغار".
قال العلامة الألباني رحمه الله معقبا على كلام ابن كثير السابق كذا قال , و ليس بحسن في نقدي , لأن عثمان الجزري إن كان هو عثمان بن عمرو بن
ساج الجزري فقد قال ابن أبي حاتم في"الجروح و التعديل" (3/ 1/162) عن أبيه
"لا يحتج به".
و أورده الذهبي في"الضعفاء"و قال:
"تكلم فيه".
و إن كان هو عثمان بن ساج الجزري ليس بينهما عمرو , فقد جنح الحافظ في""
التهذيب"إلى أنه غير الأول , و لا يعرف حاله , و لم يفرق بينهما في"التقريب
", و قال:"
"فيه ضعف".
و ابن عمرو لم يوثقه أحد غير ابن حبان , و من المعروف تساهله في التوثيق ,
و لذلك فهو ضعيف لا يحتج به كما قال أبو حاتم.
و قال الهيثمي في"المجمع" (7/ 27) :
"رواه أحمد و الطبراني , و فيه عثمان بن عمرو الجزري , وثقه ابن حبان و ضعفه"
غيره , و بقية رجاله رجال الصحيح"."
و لذلك قال المحقق أحمد شاكر في تعليقه على"المسند":
"في إسناده نظر".
ثم إن الآية المتقدمة * (و أيده بجنود لم تروها) * فيها ما يؤكد ضعف الحديث ,
لأنها صريحة بأن النصر و التأييد إنما كان بجنود لا ترى , و الحديث يثبت أن
نصره صلى الله عليه وسلم كان بالعنكبوت , و هو مما يرى , فتأمل.
و الأشبه بالآية أن الجنود فيها إنما هم الملائكة , و ليس العنكبوت و لا
الحمامتين , و لذلك قال البغوي في"تفسيره" (4/ 174) للآية:
"و هم الملائكة نزلوا يصرفون وجوه الكفار و أبصارهم عن رؤيته".
و قد جاء في بعض الحديث ما يشهد لهذا المعنى , و هو ما أخرج أبو نعيم عن أسماء
بنت أبي بكر رضي الله عنها:
"أن أبا بكر رضي الله عنه رأى رجلا مواجه الغار , فقال: يا رسول الله إنه"
لرائينا , قال: كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها , فلم ينشب الرجل أن قعد
يبول مستقبلهما , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر لو كان يراك
ما فعل هذا"."
و أخرجه الطبراني مطولا في قصة الهجرة , و قال الهيثمي (6/ 54) :
"رواه الطبراني و فيه يعقوب هذا أنه حسن الحديث , و قال الحافظ فيه:"
"صدوق , ربما وهم".
فإذا لم يكن في الإسناد علة أخرى فهو حسن , و لكني لا أستطيع الجزم بذلك لأن
الهيثمي رحمه الله قد عهدنا منه السكوت في كثير من الأحيان عن العلة في الحديث
مثل الانقطاع و التدليس و نحو ذلك , و لذلك نراه نادرا ما يقول: إسناد صحيح ,
أو: إسناد حسن , و إنما يقول: رجاله ثقات , أو موثقون. أو: فيه فلان و هو
ضعيف , أو: مختلف فيه و نحو ذلك. و لذلك فلا ينبغي للعارف بهذا العلم أن يصحح
أو يحسن بناء على مثل تلك العبارات منه. فإذا يسر الله لنا الوقوف على إسناد
الطبراني أو أبي نعيم استطعنا الحكم على الحديث بما يستحقه من رتبة. والله
الموفق.
ثم وقفت على إسناده في"المعجم الكبير"للطبراني (24/ 106/284) فتبين أنه
حسن لولا أن شيخ الطبراني أحمد بن عمرو الخلال المكي لم أقف له على ترجمة ,
و قد أخرج له في"المعجم الأوسط" (1/ 29/1 - 30/ 1) نحو 16 حديثا , مما يدل
على أنه من شيوخه المشهورين , فإن عرف أو توبع فالحديث حسن , يصلح دليلا على
نكارة ذكر العنكبوت و الحمامتين. والله أعلم.
وانظر مشكاة المصابيح حديث رقم 5934