فهرس الكتاب

الصفحة 2497 من 27809

ـ [الحمادي] ــــــــ [21 - Feb-2007, مساء 09:23] ـ

كثر ثناء أهل العلم على تراجم البخاري في صحيحه؛ وما فيها من الفقه والاستنباط الدقيق

حتى اشتُهِرَ على ألسنة بعضهم (فقه البخاري في تراجمه) كما ذكر الحافظ في مقدمة الفتح

وأفرد بعض أهل العلم مصنفات خاصة عن تراجم البخاري في الصحيح

لا أريد الإطالة بهذه المقدمة، وإنما أحببتُ ذكر فائدة وقفت عليها قبل ثمان سنوات تقريبًا؛ وهي تعقيبٌ من الإمام أبي عمر ابن عبدالبر على ترجمة للإمام البخاري في صحيحه

وأسوق من كلام أبي عمر ما يتمُّ به المعنى:

عند كلام الإمام ابن عبدالبر على حديث أبي هريرة -الذي رواه الإمام مالك في الموطأ- أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:"والذي نفسي بيده لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيل الله؛ والله أعلمُ بمن يُكْلَمُ في سبيله= إلا جاءَ يومَ القيامة وجُرحه يَثْعَب دمًا، اللونُ لونُ دمٍ، والريحُ ريحُ مِسْكٍ"

ثم قال ابن عبدالبر:

(وزعمت طائفةٌ بأنَّ في هذا الحديث دليلًا على أنَّ الماءَ إذا تغيَّرت رائحتُه بشيءٍ من النجاسات ولونه لم يتغيَّر= أنَّ الحكمَ للرائحة دون اللون، فزعموا أنَّ الاعتبارَ باللون في ذلك لامعنى له، لأنَّ دمَ الشهيد يوم القيامة يجيءُ ولونه كلون الدماء، ولكن رائحته فَصَلَت بينه وبين سائر الدماء، وكان الحكمُ لها، فاستدلوا في زعمهم بهذا الحديث على أنَّ الماءَ إذا تغيَّر لونه لم يضرَّه.

وهذا لا يُفهم منه معنىً تسكنُ النفس إليه، ولا في الدم معنى الماء فيقاس عليه، ولا يَشتغل بمثل هذا مَنْ له فَهمٌ، وإنما اغترَّتْ هذه الطائفة بأنَّ البخاريَّ ذكرَ هذا الحديثَ في باب الماء، والذي ذكره البخاري لاوجه له يُعرَف، وليس من شأن أهل العلم اللغز به وإشكاله، وإنما شأنهم إيضاحه وبيانه، وبذلك أُخِذَ الميثاق عليهم (لتبيننَّه للناس ولا تَكتمونه) وفي كتاب البخاري أبوابٌ لو لم تكن فيه كان أصحَّ لمعانيه).

التمهيد (19/ 15، 16)

ـ [أبو حماد] ــــــــ [22 - Feb-2007, صباحًا 01:24] ـ

حبيبنا الشيخ الحمادي: نقل لطيف يدل على قراءة واعية عميقة وتقييد للشوارد من الفوائد، غير أن لي تعليقًا على كلام الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى.

استدلال بعض أهل العلم بهذا الحديث على مسائل بأعيانها - قد لا يوافقون عليها - لكون الإمام البخاري أورده في باب من أبواب الصحيح، لا يتحمل جريرته الإمام، وإنما يُرد على أولئك ويبين خطأهم في فهم الحديث وتوجيهه، وأما الإمام البخاري فظاهر صنيعه في الصحيح في"باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء"أنه يرى الحكم بالنجاسة والطهارة تابعًا للتغير لا دونه، سواءً في كثير المائع أو قليله، ماءً كان أو غيره، خلافًا لمن يرى الحكم بالنجاسة لمجرد الملاقاة دون التغير، وذكره لحديث الدم يوضح بجلاء أن الدم لما تغيرت صفته تغير حكمه من الذم إلى المدح، وكذلك الماء إن تغيرت صفته تغير حكمه.

وهذا مشهور معروف عن الإمام البخاري أنه يرى المائعات جميعًا حكمها حكم الماء في التنجس بالتغير قليلًا كانت أو كثيرة إن لاقتها نجاسة، وممن ذكر ذلك ونسبه إلى الإمام البخاري وجعله من اختيارته شيخ الإسلام ابن تيمية في غير موضع من كتبه.

ومما يؤيد أن هذا هو مراد الإمام رحمه الله ما علقه أول الباب عن الزهري قوله: لا بأس بالماء ما لم يغيره طعم أو ريح أو لون، وأكده أيضًا بالنقل عن حماد في طهارة ريش الميتة وعن الزهري في عظام الميتة وناب الفيل وعن ابن سيرين وإبراهيم في العاج ونحوه، وإنما حكم بطهارة هذه مع أنها بقايا ميتة والميتة نجسة أو منفصلة عن حي حكمها حكم ميتته لكونها باقية على الأصل حياةً وموتًا، فهي لم تتغير بالموت، فلا يتغير حكمها به، وكذلك الماء لا يتغير حكمه طهارةً ونجاسةً ما لم تتغير صفته، ويلحقه في ذلك سائر المائعات الأخرى.

وهذا استنباط دقيق من الإمام البخاري، وربط محكم بين عنوان الترجمة وبين ما سرده في الباب من الآثار والأحاديث المؤكدة لصحة رأيه ومذهب، يبين علو كعبه في الفقه والاستدلال، وليس إلغازًا أو إبهامًا كما ذكر الإمام ابن عبدالبر رحم الله الجميع، وقرائح الأئمة تختلف ومداركهم تتباين، وهذا يبين بوضوح وجلاء فضل علم السلف وتقدمهم في الفهم والاستدلال على من أتى بعدهم في الجملة، وعند كل خير وفضل، وفوق كل ذي علم عليم.

والله تعالى أعلم.

ـ [الحمادي] ــــــــ [22 - Feb-2007, صباحًا 01:56] ـ

بارك الله فيكم أبا حماد

تعقيبكم في محله

ولستُ مقِرًا للإمام ابن عبدالبر على كلامه، ولكني سقتُ كلامَه هذا لبيان رأيٍ غريب مخالف للمألوف

خاصة قوله: (وفي كتاب البخاري أبوابٌ لو لم تكن فيه كان أصحَّ لمعانيه)

ولا يخفى دقة فقه الإمام البخاري، وحيرة الشراح في أحيان كثيرة ليدركوا منزعه من بعض الأحاديث التي يسوقها، ومنها هذا الحديث

وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنَّ إيرادَ البخاري للحديث السابق في (باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء) مما استُشكِل، ثم ساق جملةً من التوجيهات

وذكر -رحمه الله- أنَّ من أهل العلم من يرى ألا علاقة للحديث بهذا الباب، كالإسماعيلي رحمه الله

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت