ـ [محبرة الداعي] ــــــــ [18 - Apr-2008, مساء 07:47] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. أما بعد:
فهذا المجلس الثاني من مجالس فقهية بعد جلسة المقدمة .. وسنتكلم في هذا المجلس عن مراحل الفقه أو أدواره - ذكر الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله أن كلمة دور عربية فصيحة قال: إطلاق الدور هنا استعمال عربي فصيح؛ لأنه بمعنى الحقبة الزمنية , وهذا واضح في تصاريف هذه المادة: دَوَرَ من كتب اللغة , إلا أن بعض المعاصرين يرى استعمال كلمة (الطور) ابتعادا عن الاشتراك اللفظي لكلمة"الدور"لدى المناطقة , إذ الدور في اصطلاحهم: هو توقف كل من الشيئين على الآخر. وهذا ممتنع لأنه يؤدي إلى تقدم الشيء على نفسه.
وغير خافٍ أن المشترك اللفظي من محاسن لغة العرب , فلا ضير إذًا في استعمال كلمة"الدور"هنا , ما دام إطلاقها يصح لغة. والله أعلم. - فنقول وبالله نستعين:
* مراحل الفقه *
الأدوار أو المراحل التي مر بها الفقه ست مراحل وهي باختصار:
1)عصر النبوة أو الوحي.
2)عصر الراشدين.
3)عصر ما بعد الراشدين إلى منتصف القرن الثاني للهجرة.
4)من أوائل القرن الثاني الهجري إلى منتصف القرن الرابع الهجري.
5)من نهاية المرحلة السابقة إلى سقوط بغداد سنة 656 للهجرة.
6)من سقوط بغداد حتى عصرنا الحاضر.
هذا باختصار وتفصيل ذلك كما يلي:
1)الفقه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا العصر لم يكن فيه للعلماء كبير أثر , لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم فأي مسألة تشكل عليهم أو سؤال يعرض لهم فإنهم يسألونه , وإن لم يكن حاضرا حينها , أخبروه ليعرفوا الحكم فيما صنعوا.
والنبي صلى الله عليه وسلم في حكمه قد يراجع , لكن من قبل الوحي , فالوحي لا زال ينزل عليه أما أن يأمره أو يقره على ما هو عليه.
ومعلوم أن عصر النبوة مرّ بمرحلتين:
الأولى: تشريع مكي وهي غالبة في الأمور العلمية كأمور العقيدة ومكارم الأخلاق وغير ذلك , ولم تأخذ في جانب الأمور العملية شيئا كثيرا.
الثانية: تشريع مدني , بعد أن أصبح للمسلمين دولة , وكان المجتمع في ذلك الوقت مجتمعا عمليا يعيش واقعه بحرية , نزلت الأحكام العملية في الوحي وبين النبي صلى الله عليه وسلم أمورها وما يتعلق بها من صلاة وزكاة وصيام وحج ومعاملات بين الناس كالبيع والشراء والمعاهدة ونحو ذلك.
ومن أبرز سمات هذا العصر في التشريع ما يلي:
[أ] التدرج. فكانت الأحكام الشرعية تنزل تدريجيا مما يهيئ النفس لقبولها ولاسيما أن المجتمع ذلك في الوقت حديث عهدهم بالإسلام.
[ب] النسخ. والنسخ يقال في تعريفه: هو رفع الحكم السابق بحكم لاحق.
[ج] الاقتصار على الكتاب والسنة فليس لعقول الرجال واجتهاداتهم أثر في الحكم الشرعي بل لم يكن في ذلك العصر الإجماع معتبرا لأن الوحي ما زال ينزل وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم كتابا يكتبون القرآن مع أنه يوجد من يحفظه , وأذن بعد حين في كتابة كلامه , فكان بعض صحابته يكتبون ما يقول.
2)عصر الراشدين.
بعد حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ونزول قول الله تعالى عليه وهو في عرفة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) بكى اثنان من الصحابة: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما! أما الأول فلعلمه أن مهام صاحبه قد انتهت فلم يبقى بعد ذلك إلا الفراق والرحيل , فهو بعث بمهمة وهي تبليغ الرسالة ومعلوم أن من انتهى عمله يعود إلى أصله! وأما عمر فقال ليس بعد التمام إلا النقصان!
في هذا العصر عاش الصحابة رضوان الله عليهم أمورا لم يعهدوها في عصر النبي صلى الله عليه وسلم , واحتاجوا إلى معرفة أحكامها , ولم يرثوا من عصر النبوة إلا الكتاب والسنة وهما مصدر التشريع , فكانوا ينظرون فيهما بيد أن الأفهام والعقول تختلف , وما دام الأمر كذلك فالاجتهاد وهو ما بني على الرأي لابد أن يصحبه اختلاف في الحكم.
(يُتْبَعُ)