ـ [لطفي بن محمد الزغير] ــــــــ [05 - May-2007, صباحًا 09:04] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
يمتاز القرآن الكريم إجمالًا بالتوازن من كل جانب، كيف لا وهو كلام الله سبحانه وتعالى، والمتصفح لسور القرآن وآياته يلحظ ذلك جليًا فيه، وأنواع التوازن التي أقصدها كثيرة؛ فمنها التوازن التشريعي، ومنها التوازن في الخلق والتكوين، ومنها التوازن في الخطاب الذي زخرت به آيات القرآن الكريم.
وأقصد بالتوازن في الخطاب هو أن يذكر الأمر ونقيضه معًا في آية واحدة أحيانًا، أو في سياق من الآيات.
ومن أول سورة في جزء عم نلحظ ذلك، من خلال إشارة كتهيئة لما بعدها، وذلك من خلال قوله تعالى وخلقتاكم أزواجًا {، فهذا فيه إشارة إلى الذكر والأنثى من الإنسان أولًا، ثم من كل مخلوقات الله سبحانه وتعالى، في قوله:} ومن كل خلقنا زوجين اثنين {إذًا أول ملامح التوازن في هذا الجزء يتجلى بالإشارة إلى ما لا يتم التوازن إلا به في هذه الحياة وهو الذكر والأنثى، من الإنسان ومن كل شيء ولهذا ورد الخطاب بذكرهما جميعًا في آية واحدة، وللتأكيد على جانب التوازن في الخطاب وأنَّ الشرع ذكر ما يقتضي ذلك، وهو الأرض، وبين تعالى في آية مجملة ذلك من خلال قوله تعالى:} ألم نجعل الأرض مهادًا & والجبال أوتادًا ، فالتوازن الحقيقي في الأرض لا يتم إلا من خلال هذين الأمرين؛ تمهيد الأرض وجعلها صالحة للسكن والعيش، وهذا بحد ذاته بحاجة لما يثبتها، والتثبيت إنما يكون بالجبال التي هي كالأوتاد، ولهذا جاء الخطاب القرآني في هذه السورة فشملهما جميعًا وهذا التوازن في الخطاب ينبئُ عن التوازن في الطبيعة التي خلقها الله سبحانه وتعالى متوازنة من كل جانب.
والجانب الآخر في التوازن من خلال هذه السورة ذكر الله سبحانه وتعالى لأهل الشقاوة وأهل السعادة، وهذا نلحظه دومًا في الآيات القرآنية، فلا يكاد يُذكر فريق إلا ويردف بذكر الفريق الآخر في نفس السورة، قال تعالى: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا {وفي المقابل قال الله تعالى:} إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا فانظر كيف أن أصحاب الجزائين قد ذكرا في سورة واحدة في آيات متتالية، مما يؤكد وجود هذا الأمر وحضوره بقوة في هذا الجزء من كتاب الله تعالى.
وإذا تدرجنا إلى السور التالية فإنا لا نعدم أمثلة على التوازن، وباطلاع بسيط على سورة النازعات تتوضح الصورة، إذ إنَّ سبحانه وتعالى قد بين خلقه لأمرين عظيمين شكلا جانب التوازن في هذا الحياة الدنيا أيضًا فشملهما الخطاب معًا في توازن في الخطاب أيضًا وهما؛ السماء والأرض، فقال تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا {، ولا يتوقف الأمر عند هذا في هذه السورة بل إننا نجد قبل نهايتها إشارة أخرى إلى هذا التوازن في مقام إقامة الحجة على العباد وبيان مآل كل فريق من الفرقين؛ الطائعين والعصاة، قال الله تعالى:} فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ
(يُتْبَعُ)