فهرس الكتاب

الصفحة 963 من 27809

ـ [ابن الزبير] ــــــــ [05 - Jan-2010, صباحًا 01:24] ـ

وقفات مع آيات

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فحياتنا المعاصرة شاغلة -إلى حد هائل- بكثرة مشاكلها وتتابع فتنها وتعدُّد مسئولياتها؛ بحيث يصبح المرء عاجزًا أو شبهَ عاجز أحيانًا عن أن يجد نفسَه ويفتشَ فيها، ويشخِّصَ أمراضها ويسعى في علاجها، ومع أنه ليس له بديل عن ذلك؛ لأن البديل هو تفشي الأمراض في القلب حتى يموت؛ فيكون الهلاك؛ فلابد إذن من ساعات يستقطعها المرء استقطاعًا من العمل والأهل والأولاد -بل حتى والعمل الدعوي- لنفسه؛ كما روي في حديث أبي ذر -رضي الله عنه- مرفوعًا: قلت:"يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما كانت صحف إبراهيم؟"، قال: (كانت أمثالًا كلها ... ) الحديث، وفيه: (وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن تكون له ساعات: فساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب ... ) (1) .

فأين نحن من الساعات الثلاث الأُوَل؟! أم أصبحت حياتنا تدور حول الساعة الأخيرة وما يحصلها؟!

هل غلبتنا على عقلنا حتى صار نمط الحياة الاستهلاكيُّ التَرَفِيُّ الذي يعيشه الغرب هو الطريقةَ المثلى كما يرونها؟! وحتى العمل الدعوي؛ كثرت فيه المشاكل التي تستهلك الأوقات؛ حتى لا تدع للمشارك فيه فرصة للجلوس مع نفسه. ومنبع هذه المشاكل أيضًا هو: إما من نمط الحياة الاستهلاكي، أو من أمراض القلوب الشيطانية.

فتعسر بذلك أمر التربية والتهذيب -رغم التضييق الشديد على وسائله في واقعنا الأليم- فلابد لنا من وقفة مع أنفسنا لاستقطاع هذه الساعات، والقرآنُ العظيم ينتظمها لنا انتظامًا إذا قرأناه بالتدبر، خصوصًا إذا كان في الصلاة؛ فتجتمع مناجاة الرب بالدعاء، ومحاسبةُ النفس بالتدبر في صفات المؤمنين والكافرين والمنافقين وتذكرِ الآخرة، والتفكرُ في صنع الله بالتدبر في الآيات المتضمنة لآيات الآفاق والأنفس، كما أنها تجمع لنا إلى ذلك حل المشاكل المعضلات التي ربما أخذت من الناس ليس ساعات في البحث والمناقشات؛ بل سنوات!

وربما وجد الإنسان جوابها جليًّا واضحًا وضوح الشمس إذا تدبر الآيات، ووالله إني لأتعجب من حال مَن يسمع أو يقرأ أو يحفظ قول الله -تعالى-: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا. الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا. إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلًا. مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (النساء:138 - 143) وهو يرى ويسمع كل يوم أحوال المنافقين في موالاة أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين، وتصحيحِهم لملتهم، ومؤازرتِهم على المسلمين المستضعفين؛ ثم هو يضفي عليهم ألفاظ السيادة والفخامة والمدح والثناء ... !!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت