فهرس الكتاب

الصفحة 15352 من 27809

ـ [ولد برق] ــــــــ [11 - Aug-2008, مساء 11:42] ـ

الجواب: اختلف أهل العلم في هذه المسألة: فمنهم مَن ذهب إلى العموم , واستدل بقوله تعالى:] وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ [[البقرة: 187] فلم يخص مسجدًا دون آخر.

ومنهم من ذهب إلى التخصيص بالمساجد الثلاثة , واستدل بحديث حذيفة - رضي الله عنه - أنه جاء إلى عبد الله بن مسعود , وقال له: قوم عكوف بين دارك ودار أبي موسى , لا تنهاهم وقد علمتَ أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال:"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام , ومسجد النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، ومسجد بيت المقدس"؟ فقال عبد الله بن مسعود: فلعلهم أصابوا وأخطأتَ , وحفظوا ونسيتَ. أخرجه الإسماعيلي والدار قطني وغيرهما. وهذا الحديث قد وقع فيه اختلاف كثير سندًا ومنتًا , فمن ذلك:

(1) أنه قد اختلف فيه: هل هو موقوف على حذيفة، أم أنه مرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؟ والظاهر عندي: أن الرفع زيادة ثقة مقبولة.

(2) واخْتُلِفَ: هل هو صريح في الرفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - , أم ليس كذلك؟ كما في قول حذيفة في روايات أخرى:"وقد علمتَ أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة"والظاهر أنه قد وقع التصريح بالرفع , لكن حدث بين المصرحين بالرفع خلاف في المتن, هل هو مجزوم به أم مشكوك فيه؟ كما في رواية سعيد بن منصور, وفيها: وقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال:"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة , أو قال: في مسجد جامع". وسعيد بن منصور الذي روى الرواية المشكوك فيها والصريحة في الرفع؛ أرجح من الذين رووها صريحة في الرفع مجزومًا بها؛ لحفظه , ولضعف بعضهم , ولضعف الطريق إليه , والشك لا يُعْمَلُ به.

(3) واخْتُلِفَ في الترجيح بين الروايات المصرحة بالرفع, والأخرى التي فيها قول حذيفة:"وقد علمت أنه لا اعتكاف إلا في المسجد الثلاثة".

(4) واخْتُلِفَ في قول حذيفة:"وقد علمت أنه لا اعتكاف ... الخ". هل هذا معناه: أنك يا ابن مسعود علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال كذا؟ أم معناه: وقد علمت من المتبادر من النصوص , أو من فهمك للقواعد أنه لا اعتكاف ... الخ؟ وإن كانت النفس تميل إلى أن المتبادر من ذلك أنه إحالة إلى العلم المأخوذ ممن جعله الله حجة على الخلق - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.

(5) وفي بعض الروايات أن حذيفة عندما قال له ابن مسعود:"فلعلهم أصابوا ... الخ"لم يتعقبه حذيفة بشيء , وفي بعضها قال:"أما أنا فقد علمتُ أنه لا اعتكاف ... الخ"وفي بعضها أن ابن مسعود لم يَرُدَّ عليه بشيء.

فالذي تميل إليه نفسي في النهاية ثبوت الحديث مجزومًا به , لا بالرفع الصريح؛ إنما له حكم الرفع - على ما فيه من أخذ ورد -.

ومع هذه العقبات في الترجيح , وإنكار ابن مسعود على حذيفة , حتى قال له:"فلعلهم حفظوا ونسيت , وأصابوا وأخطأت"فأنكر عليه روايةً وواقعًا , وقد فهم الطحاوي من ذلك، كما في"المشكل" (7/ 201 وما بعدها) أن ابن مسعود قد حفظ ما ينسخ حديث حذيفة الذي رواه عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.

فإن قيل: قول ابن مسعود:"لعلهم حفظوا ونسيت ... الخ"من باب الترجي , ولم يجزم به؛ فنترك المشكوك فيه للمجزوم به.

فالجواب: أن هذا من ابن مسعود ليس من باب الشك , بل هو - والله أعلم - من باب التلطف في القول مع حذيفة , لاسيما وقد جاءه منكرًا عليه , وكيف يقال: إنه من باب الشك , وهذا ابن مسعود لم يتراجع عن قوله؛ فهل يظن بابن مسعود أنه يترك اليقين الذي يخبره به حذيفة , ويتمسك بالشك؟

فإن قيل: وهذا حذيفة لم يتراجع عن قوله , وهل يُظن بحذيفة - رضي الله عنه - أنه يعلم بالناسخ ولا يذهب إليه؟

فالجواب: يحتمل أن حذيفة ما رأى الذي ذهب إليه ابن مسعود ناسخًا لدليله؛ فبقي على ما عنده , لكن قول ابن مسعود:"لعلهم حفظوا ونسيت"دليل على وجود سنة حفظوها، ونسيها حذيفة , أو علموا ما لم يعلمه حذيفة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت