فهرس الكتاب

الصفحة 27485 من 27809

ـ [أمجد الفلسطيني] ــــــــ [14 - Sep-2010, مساء 09:12] ـ

اكتملت الصورة .. فلماذا تمزقها؟!

لماذا نجد الطالِبَ المبتدئ كثيرًا ما ينكر على الشيخ المتمَرِّس دليلَه قائلًا: إنه لا حجة فيه؟

أو يقول له: لا دليل عليه؟

السبب في ذلك أنَّ الشيخ المتمرس ينظر إلى الصورة الإجمالية، والطالب المبتدئ ينظر إلى التفاصيل منفردةً!

هل تَعرف لُعْبَةَ تكوين الصورة ( puzzle) ؟

تخيَّلْ أنَّ هناك صورةً كبيرةً تتكون مِن آلاف القطع الصغيرة، وأنَّ وضْع هذه الأجزاء الصغيرة في أماكنها الصحيحة يُعْطِي الصورةَ الكاملة.

هل تخيَّلْتَ ذلك؟

الآن اعلَمْ أنَّ الفرْقَ بين الشيخ المتمرِّسِ والطالب المبتدئ: أنَّ الأول يَرى القِطَعَ مرتَّبةً ترتيبًا صحيحًا، والثاني يَراها أجزاءً منفردةً لا رابطَ بينها.

فإذا كانت الصورةُ - مثلًا - لمنظر طبيعيٍّ به بَحْرٌ وشمس وشجر وسحاب، فبإمكان الشيخ المتمرس أنْ يعْرِف أنَّ الشمس أعلى من السحاب، وأنَّ السحابَ أعلى من الشَّجر، وأن الشجر أعلى من البحر، وهكذا.

ولكنك تجد الطالبَ المبتدئ يسارع متحفِّزًا فيقول: ما الدليلُ على أنه يوجد سحاب تحت الشجر؟ أتحدَّاك أن تعطيَنِي دليلًا على ذلك، وهاك الأدلةَ كلَّها (أي قِطَع الصورة منفردةً) فأتني بدليل واحد يدل على ما تقول.

ولا شك أنه لا توجد قطعةٌ منفردةٌ تدل على ذلك دلالةً واضحةً؛ وإنما جاءت الدلالة مِن النظرة الإجمالية للقِطَع كلِّها إذا رُتِّبت في مكانها الصحيح.

الآن ننظر من جهة أخرى، فنقول:

تخيل أن الشيخ المتمرس لم يَضَعْ كلَّ القطع في مواضعها؛ وإنما وضع 75% منها فقط، فإنه من المعقول أن نفترض أنه يمكنُه تخمينُ كثير من الباقي، إن لم يكن جميعَه؛ لأن القطع الموجودة تدلُّ على المفقودة، وكذلك فإنه مِن المعقول أن نفترض أنَّ الشيخ بإمكانه معرفةُ أن هذه القطعةَ موجودةٌ في غير مكانها الصحيح؛ لأنها نشَازٌ في موضعها، ولا تتماشَى مع ما حولها، مع أن المبتدئ سيسارع ويقول: هذا ليس دليلًا.

مفهومُ الدليلِ عند الطالب المبتدئ معناه ما يمكنه هو أن يفهمه بعقله القاصر! ولا شك أنَّ هذا خلَلٌ كبير جدًّا في المنهجيَّة العلمية؛ لأنه من أسهل الأمور أن تقول: هذا ليس بدليل!

ولكن ما أدراك أن كلامك صحيح؟ وكيف تثق في صحة فَهْمِك أنه ليس بدليل، يعني إذا كان كبارُ العلماء، وفُحولُ العقلاء، وأئمةُ الحكماء يقولون: بل هو دليل، فما الفَيْصَلُ بين كلامك وكلامهم؟! ولماذا رَكَنْتَ إلى عقلك القاصر هنا، ولم تنظر إلى عقولهم التي هي - باعترافك - أكبرُ من عقلك؟!

لا تقل لي: إنَّ الفيصل بيننا هو الدليل؛ لأننا حينئذٍ نرجع من حيث بدأنا.

الشيخ المتمرس قد ينظر إلى القطعة في غير موضعها فيزيلها، ثم ينظر نظرةً كليَّةً إلى الصورة، فيرى أن الجهة اليمنى - مثلًا - تَميل ألوانها إلى الأصفر في الغالب، وكذلك القطعة التي في يده، فيضعها موضِعَها، فيَنْتَظِم الشكل في سلاسة.

وهكذا الناقد المحدِّث يقول: هذا الحديث مقلوبٌ، أو هو بالوَقْفِ أشبه، أو نحو ذلك مما يعرفه بنظرته الإجمالية، أما المبتدئ فيسارع إلى الإنكار، زاعمًا أن هذا الكلام لا دليل عليه، أو أنَّ فيه توهيمَ الثقاتِ بغير حجة!

نعم، ليس عليه دليل يمكنك أن تفهمه بعقلك الضعيف، وعِلمك القاصر، وهذا لا نُنَازِعُك فيه؛ ولكن النِّزاع في أنك تحصر الدليل في هذا.

وننظر من جهة أخرى، فنقول:

المتخصص في علم من العلوم يمكن أن نشبِّهه بمن تكون القطعُ المفردة عنده - في بعض أجزاء الصورة - أكثرَ من الباقي، فهو يستطيع أن يُعطي أحكامًا جيِّدةً في هذا الجزء دون غيره، أما العالِم المتفنِّن، فهو الذي يكون توزيع التحصيل لديه متقاربًا في الجميع، فتكون أحكامُه المتخصصةُ أقلَّ دقةً، وإن كانت أحكامه الإجمالية أدقَّ؛ لأنَّ رؤيتَه أوسع.

أما مقدار تَمَكُّن العالِم، فيُقاس بمدى قربه من الاكتمال التام للصورة، وهو ما لا يصل إليه أحد من الناس، ولكن من المتوقَّع أنَّ العالم لا ينبغي أن يُسَمَّى عالمًا، حتى يكون ما حصَّله من قطع الصورة أكثرَ مما لم يحصِّله؛ بحيث تتَّضِح له المعالِمُ الإجمالية.

وننظر من جهة أخرى، فنقول:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت