ـ [السكران التميمي] ــــــــ [24 - Apr-2009, صباحًا 08:37] ـ
هل ينشئ الله تعالى للنار خلقا فيعذبهم فيها؟
المبحث الأول
ذكر الآيات الواردة في المسألة
قال الله تعالى: [إن الله لا يظلم مثقال ذرة] .
وقال تعالى: [ولا يظلم ربك أحدا] .
وقال تعالى: [وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا] .
المبحث الثاني
ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآيات
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اختصمت الجنة والنار إلى ربهما فقالت الجنة: يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار: يعني أوثرت بالمتكبرين. فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي. وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها. قال: فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدا، وإنه ينشئ للنار من يشاء، فيلقون فيها فتقول: هل من مزيد ثلاثا، حتى يضع فيها قدمه، فتمتلئ ويرد بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط قط" (صحيح البخاري)
المبحث الثالث
بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث
ظاهر الآيات الكريمة نفي الظلم عن الله تعالى، وأنه سبحانه لا يعذب أحدا من خلقه إلا بعد الإعذار إليه، وقيام الحجة عليه، وهذا الذي دلت عليه الآيات هو محل إجماع بين العلماء، من تنزيهه سبحانه عن الظلم، أو أن يعذب أحدا بغير ذنب ولا حجة.
المبحث الرابع
مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث
للعلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث مسلكان:
الأول: مسلك تضعيف الحديث بهذا اللفظ، والجزم بوقوع الغلط فيه:
حيث ذهب جماعة من الأئمة إلى أن الحديث لا يصح بهذا اللفظ، وأنه مما وقع فيه الغلط من بعض الرواة، حيث انقلب عليه الحديث، فجعل الإنشاء للنار، والصواب أن الإنشاء للجنة، بدليل ما أخرجاه في الصحيحين _ واللفظ للبخاري _ من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"تحاجت الجنة والنار .."فذكر الحديث إلى أن قال:".. فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول: قط قط قط. فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله عز وجل من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقا".
نقل الحافظ ابن حجر هذا المذهب: عن أبي الحسن القابسي، وشيخه البلقيني.
وممن جزم بوقوع الغلط في الحديث: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، وابن الوزير اليماني.
قال أبو الحسن القابسي: (المعروف في هذا الموضع أن الله ينشئ للجنة خلقا؛ وأما النار فيضع فيها قدمه. قال: ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنه ينشئ للنار إلا هذا) أهـ.
وقال ابن القيم: (وأما اللفظ الذي وقع في صحيح البخاري في حديث أبي هريرة:"وإنه ينشئ للنار من يشاء، فيلقون فيها فتقول: هل من مزيد"، فغلط من بعض الرواة، انقلب عبه لفظه، والروايات الصحيحة ونص القرآن يرده، فإن الله أخبر أنه يملأ جهنم من إبليس وأتباعه، وأنه لا يعذب إلا من قامت عليه حجته، وكذّب رسله، قال تعالى: [كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير] ، ولا يظلم الله أحدا من خلقه) . أهـ.
وقال الحافظ ابن كثير: (طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت معجمة في صحيح البخاري ... ) ، ثم ذكر الحديث وقال: (فهذا إنما جاء في الجنة؛ لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل، لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه، وقيام الحجة عليه، وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة وقالوا: لعله انقلب على الراوي ... ) أهـ.
الثاني: مسلك قبول الحديث، والجمع بينه وبين الآيات:
وقد اختلف أصحاب هذا المسلك في الجمع على مذهبين:
الأول: من ذهب قبول الرواية مع توجيهها وصرفها عن ظاهرها:
وهذا رأي الحافظ ابن حجر، حيث قال: (ويمكن التزام أن يكونوا من ذوي الأرواح، ولكن لا يعذبون؛ كما في الخزنة، ويحتمل أن يراد بالإنشاء ابتداء إدخال الكفار النار، وعبر عن ابتداء الإدخال بالإنشاء، فهو إنشاء الإدخال، لا الإنشاء بمعنى ابتداء الخلق؛ بدليل قوله:"فيلقون فيها وتقول: هل من مزيد"وأعادها ثلاث مرات ثم قال:"حتى يضع فيها قدمه فحينئذ تمتلئ"، فالذي يملؤها حتى تقول حسبي هو القدم، كما هو صريح الخبر ... ) أهـ.
الثاني: مذهب قبول الرواية مطلقا:
(يُتْبَعُ)