ـ [محب اللغة والأدب] ــــــــ [20 - Apr-2010, مساء 01:57] ـ
لتبدأ يا دكتور في هذه القضية التي أرقت كثيرًا من الناس وتكلم عنها كثير من الناس حتى نستجلي الموضوع من جميع جوانبه.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فلا شك -كما تفضل الأستاذ طارق- أن قضية المجاز هي قضية شغلت بال كثير من اللغويين والبلاغيين وذوي الأصول وذوي العقيدة والدعاة أيضًا بشكل عام، لأن القول فيها ما زال شائكًا وإن استقر -حقيقة- بعد تأصيل العلوم وتثبيت مصطلحات العلوم بشكل عام.
لنبدأ أولًا بتعريف المجاز من حيث اللغة، وكذا الحقيقة فنقول:
إن الأصل هو الحقيقة، والحقيقة: من الفعل الثلاثي"حقَّ"أصلها"حقق""حقَّ"وأدغمت القاف الأولى في الثانية فشددت القاف.
"حقَّ": أي: ثبت، يقال: حقَّ الشيء إذا ثبت، ومنه قوله -جل وعز-: ? لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ ? [الأنفال: 8] أي ليثبته ويظهره، وقوله -جل وعز-: ? وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ? [الروم: 47] ، أي: أن نصر المؤمنين الملتزمين بالإسلام المطبقين له ثابت عند الله -جل وعز- على مدار الأزمنة وتقلب العصور، فالحقيقة تعني الثبات والاستقرار، وإذا أطلقت الأسماء على أشياء معينة ثبتت عليها، إذا قلت: جدار، تعارفت العرب على كونه جدارًا، أطلقت على السماء وهي الجرم العالي العظيم سماءً فثبت في حقها ذلك الاسم، الأسد أطلقوا عليه أسدًا -هذا الاسم- فثبت في حق ذلك الحيوان المفترس هذا الاسم.
أما المجاز فهو على الضد من الحقيقة، من التجوز، جاز الشيء: إذا تجاوزه، تقول: تجاوزني فلان بسيارته إذا تعداني وانتقل من مكان إلى آخر فتجاوزني وتعداني، فهو مصدر ميمي، المجاز مصدر ميمي أصله من الفعل"جاز - يجوز - جوازًا وتجوزًا"يعني ذلك أن فيه تعديا وتجاوزا وانتقالا من شيء إلى شيء، ومن مكان إلى مكان ومن اسم إلى اسم، هذا في الاصطلاح العام.
فالكلمة إذا أطلقت على اسم معين وثبتت عليه في عرف العرب واستعمالاتها وفي قاموسها وفي لغتها سميت هذه الكلمة حقيقة على ذلك الشيء، وإذا أطلقت الكلمة من كلام كان ثابتًا على شيء إلى أمر آخر سواءً كان حيوانًا أو إنسانا أو كذا فيكون في ذلك تجوز من مكانه الأصلي إلى مكانه الجديد، فيقال لهذه الكلمة: تجوز بها فصارت مجازًا، مثل أن تقول: فلان يتكلم بالدرر، فالدرر هنا ليس مقصودا بها الدر جمع درة المعروفة، وإنما المقصود بكلام حسن رائع يشدك كما تشد نظرك الدرة الرائعة المتألقة، فكلمة الدرر أطلقت على الكلام من باب التشبيه فهو استعارة، شبهت كلماته الآن بالدرر بجامع الحسن والشد والإصغاء في كل، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي هو كلمة (يتكلم) ، لأن الدرر لا يمكن أن تخرج من الفم، إذن أصبح المجاز إطلاقه من شيء إلى شيء لابد من قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي، ولولا هذه القرينة لكان الكلام فوضى، لفعل من شاء ما شاء من الكلام ولغيرت الحقائق وللبس على الناس في هذا، فلابد إذن كما يقول العلماء من قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي الأساسي للكلمة، وأيضًا مع القرينة لابد من علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المتجوز إليه، عندما تقول: رأيت أسدًا يسلم عليه الناس، فهناك علاقة مشابهة بين الأسد -وهو الاسم الأصلي للحيوان المفترس- الذي عرف عنه الشجاعة والجرأة والسطوة والصولة والمخافة -يخاف الناس منه-، وذلك الإنسان الشجاع أو الرجل الشجاع فلما وجدت علاقة ملابسة بينهما جوز الاستعمال بأن تنقل اسم الأسد وهو حقيقة على الحيوان المفترس إلى الرجل الشجاع ليكون ذلك مجازًا وتجوزًا لعلاقة بينه وهي المشابهة في طرف أو في شيء من الأشياء وهي الشجاعة وهي معنوية.
القرينة التي تمنع ما وجد في هذا الكلام في هذا السياق في هذا المثال وهو قولنا: يسلم عليه الناس، لأن الأسود في الحقيقية لا يسلم عليها الناس بل يهابونها ويفرون منها، وأما الرجل فكل يتشرف بأن يسلم عليه وبأن يتقرب منه.
ينبغي أن يعلم أن الكلام ينقسم إلى قسمين:
أولًا: الحقائق، ثانيًا: المجاز.
هذا أمر.
(يُتْبَعُ)