ـ [عبدالله الهدلق] ــــــــ [22 - Jul-2010, صباحًا 03:50] ـ
كنتُ من قريبٍ في زيارةٍ لأخي الشيخ عبدالمحسن العسكر, فوافيتُ عنده فضيلة الدكتور العراقي نعمان السامرائي ..
ولمّا أُحضرت القهوة مع الرُّطَب تحدثنا - كعادة الناس أول ورود الرُّطب - عن أنواع التمر وما إلى ذلك , فأخذ بنا الكلام إلى تمور العراق وماهي عليه من الجودة وكثرة الأنواع , وما في العراق من غابات النخيل .. فقال الدكتور نعمان: إن إحدى قريباتي في العراق قد أرسلت إلينا هنا تطلب منا أن نبعث إليها بشيءٍ من التمر , لأن رمضان قادم ولا تمر عندهم!
فوجمتُ لِهَول ماقاله , ونظرتُ إلى أخي الشيخ عبدالمحسن فإذا به قد أصابه الذي أصابني , والْتقتْ عينانا على عِظةٍ من عِظات هذه الدنيا حُقَّ لها أن تُروى ..
أيُصدّر التمر من نجدٍ إلى العراق؟
لقد حدّث بعض أهل التواريخ: بأن أعرابيًا من بادية هذا البلد شوى - في أيام مضت - جِلْدَ نَعْله يتبلّغ به لِما مسّه من أليم الجوع , هذا في زمن كان الضيف ينزل فيه على أصحاب النخيل في البصرة؛ فيُضيَّف في كل يوم نوعًا من التمر حتى يستوفيَ السنة ماتكرّر عليه نوع من أنواعه ..
ثم إن الدنيا دارت دورتها؛ فأصبح بعض أهل هذه البلاد التي هجرها ناسٌ من سكانها في خاليةٍ من السنين إلى الزُّبير طلبًا للرزق؛ أصبح يطلب أطفالُه الأكل من المطعم فيوصله إليهم عامل آسيوي لاتقف الأمطار في بلاده عن الهطول أكثر السنة .. ولقد سمعتُ من أحد العامة: أن رجلًا له ثلاثةٌ من الأبناء؛ طلب كلٌّ منهم نوعًا من الطعام من المحل الذي يُحبّ , فاتفق أن وقفت السيارات الثلاث عند الباب مجتمعةً كلُّ واحدةٍ تحمل لونًا من الطعام مختلفًا!
إننا لسنا بمنجاةٍ من طالة أقدارالله , وليس بيننا وبين الدنيا عهدٌ على ألا تدور علينا فتطحنَنا كما فعلت بغيرنا .. فالدنيا شرودٌ قُلّب , وكم من شمس يومٍ أشرقت على أهلها بغير ماغابت عنهم عليه ..
أفلا نتقي الله في هذه النِّعم التي خَوَّلنا , أفلا ننهى سفهاءنا عن هذا السَّرَف في ولائمنا .. وهذا الترف , وخِزي التفسّخ الذي عمَّ أفراحنا؛ حتى أصبح نساؤنا يحضرن الدعوات شبه عرايا , والولع بالسفر ننثر فيه ألوف الألوف في ديار الغرب لانبالي أن صارت أعراضنا يقتات عليها أغراب الدنيا .. أفما نعوذ بالله من عادية الشّرّ أن تغتالنا , فإننا - والله - إن غادرتنا هذه النعمة فلن يرحمنا من الناس راحم ..
فسترَك اللهمّ؛ قد أصبح العراق اليوم ولا تمر فيه ..
قال المؤرخ المقريزي في خِططه عند ذكر ابتداء أمر الفاطميين في مصر:
"وكانت أُمّ الأمراء قد وجّهت من المغرب صَبِيّةً لتباع بمصر , فعرضها وكيلها في مصر للبيع وطلب فيها ألف دينار , فحضر إليه في بعض الأيام امرأةٌ شابّة على حمار لتُقلّب الصّبِيّة , فساومته فيها وابتاعتها منه بستمئة دينار , فإذا هي ابنة الإخشيد محمد بن طُغْج , وقد بلغها خبر هذه الصبيّة , فلما رأتها شغفتها حبًا فاشترتها لتستمتع بها .. فعاد الوكيل إلى المغرب وحدّث المُعزّ بذلك فأحضر الشيوخ , وأمر الوكيل فقصّ عليهم خبر ابنة الإخشيد مع الصبيّة إلى آخره , فقال المُعز: ياإخواننا انهضوا إلى مصر فلن يحول بينكم وبينها شيء , فإن القوم قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات الملوك فيهم تخرج بنفسها وتشتري جارية لتتمتع بها , وماهذا إلا من ضعف نفوس رجالهم وذهاب غَيرتهم , فانهضوا لمسيرنا إليهم ..".
ـ [أبو فهر السلفي] ــــــــ [22 - Jul-2010, صباحًا 04:03] ـ
أحسن الله إليك ورد عنا وعنك وعن المسلمين غوائل الدنيا ..
ـ [اليقظ] ــــــــ [22 - Jul-2010, صباحًا 05:12] ـ
شكر الله لك خطة يراعك!!
لا تمر في العراق!! أواه ثم أواه!!
ـ [أبو أسماء الحنبلي النصري] ــــــــ [22 - Jul-2010, صباحًا 09:05] ـ
بارك الله فيك.
السعيد من وعظ في غيره، والشقي من وعظ في نفسه!
قال الله تعالى في الكتاب الكريم:
{أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} .
وفي مرآة الجنان لليافعي:
(وفيها توفي المعتمد على الله أبو القاسم محمد بن المعتضد اللخمي، صاحب الأندلس؛ كان ملكًا جليلًا، عالمًا ذكيًا، وشاعرًا محسنًا، وبطلًا شجاعًا، وجوادًا ممدوحًا؛ كان بابه محط الرحال وكعبة الآمال، وشعره في الذروة العليا، ملك من الأندلس من المدائن والحصون والمعاقل مائة وثلاثين مسورًا، وبقي في المملكة نيفًا وعشرين سنة؛ وهو من ذرية النعمان بن المنذر آخر ملوك الحيرة وقبض عليه أمير المسلمين ابن تاشفين لما قهره، وغلب على ممالكه، وسجنه بأغمات حتى مات بعد أربع سنين من زوال مملكته. وخلف عن ثمانمائة سرية، ومائة وثلاثة وسبعين ولدًا.
قلت أما كثرة الأولاد فقد نقل أن غيره كان أكثر منه أولادًا، وأما السراري فما سمعت أن أحدًا من الخلفاء بلغ من كثرتهن إلى هذا العدد المذكور.
وكان راتبه في اليوم ثمانمائة رطل لحم، ومما قيل فيه لما قص عليه قول الشاعر:
لكل شيء من الأشياء ميقات .. وللمنى من منايا هن غايات
وقال آخر بعد لزومه وقتل ولديه:
تبكي السماء بدمع رائح غاد ... على البهاليل من أبناء عباد
ومما قيل فيه لما حبس:
تنشق رياحين السلام فإنها ... أفض بها مسكًا عليك مختما
أنكر في عصر مضي لك مشرقًا ... فيرجع ضوء الصبح عندي مظلما
وأعجب من أفق المجرة إذ رأى ... كسوفك شمسًا، كيف أطلع أنجما
ولما دخلت عليه بناته السجن - وكان يوم عيد، وقد صرن يغزلن للناس بالأجرة، وهن في أطمار - أنشده:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورًا ... فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك بالأطمار جائعة ... يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
يطأن في الطين والأقدام حافية ... كأنها لم تطأ مسكًا وكافورا
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلًا ... فردك الدهر منهيًا ومأمورا
(يُتْبَعُ)