ـ [المصباح المنير] ــــــــ [29 - Aug-2010, صباحًا 06:50] ـ
التغني بالقرآن الكريم
مقال كتبه العلامة محمد أبو زهرة رحمه الله (بمجلة كنوز الفرقان) عدد 8 بتاريخ شعبان 1368/ 1949م عن التغني بالقرآن والقراءة بالألحان!!
التغني بالقرآن الكريم
محمد أبو زهرة
تعرضنا بالإجمال في مقال سابق لقراءة القرآن بالألحان، مشيرين إلى أنها تنافي الأتعاظ به، والاهتداء بهديه، والاعتبار بقصصه؛ وقلنا (( ليست مذاكرة القرآن بما ابتدعنا فيها من ألحان نُطْرى بها الصوت، وننغمه، وتتمايل الأعناق طربا للنغم، وتتصايح الأصوات استطابة للحن، والقارئ يترنم ينغمه، ويهتز للحنه، ولا يراعى معنى، فيخفض صوته في آيات الترهيب، ويشتد في آيات الترغيب، يلين في آيات القتال، ويجلجل في آيات السلام ) ).
وقد اتصل بنا بعض القراء فطلب إلينا بيانه، فإن هذا موضوع لا يغني فيه الإجمال عن التفصيل، ولا تقوم فيه الإشارة مقام العبارة؛ وخصوصًا أن البلوى فيه عامة، والبدعة فيه حسبها الناس سنة، وتعلقوا بآثار واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم تبيح التغني بالقرآن وتزيينه بحسن الصوت؛ فحق علينا أن نزيل الاشتباه، ونبين الفرق بين ما كان يستحسنه الرسول الكريم، وما ابتدعه الناس من بعده، معتمدين في ذلك على المنقول والمعقول، لا نتزيد على علم السلف، ولا نسلك غير سبيلهم القويم.
فإننا لا نحارب البدعة، إلا بما يثبت لدينا أنه السنة، والسنة في هذا المقام هي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وقد جاء وصفها في صحاح السنة، والثابت من الآثار.
فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حزب من القرآن يقرؤه، ولا يخل به، وكانت قراءته ترتيلا، لا هذًا (الهذ: سرعة القطع، أي لا يقرأ قراءة يسرع في مقاطعها، فلا بعطي الوقوف حقها) ولا عجلة، بل قراءة مفسرة، حرفًا، حرفًا، وكان يقطع قراءته، آية، آية، وكان يمد عند حرف المد، فيمد الرحمن، ويمد الرحيم، وكان يقرأ القرآن قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا ومتوضئًا ومحدثًا، وكان يترنم به، ويرجع صوته به أحيانًا، كما رجع يوم الفتح في قراءته {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} وكان يحب أن يسمع القرآن من غيره، وقد أمر عبد الله بن مسعود مرة أن يقرأ عليه؛ فلما سمعه عليه السلام خشع، حتى ذرفت عيناه، قد استمع ليلة لقراءة أبي موسى الأشعري من غير أن يعلمه ثم أخبره، فقال رضي الله عنه: (( لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرًا ) )أي يحسن صوته تحسينًا.
ولقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( زينوا القرآن بأصواتكم ) )وروي أنه قال: (( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) )وقال عليه السلام: (( ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن ) ).
فهذه الآثار كلها تدل على أنه عليه السلام أباح التغني بالقرآن، وأباح ترجيع الكلمات مترنمًا بمعانيها مرددًا لها بترديد ألفاظها، كما يفعل الأديب عند ترديد بيت من الشعر أدرك معناه واستطابه، فردده استحسانًا له، ولجودة التعبير وسلامته؛ وكما فعل عليه السلام عند ترجيعه {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} فإن ترديد ذلك في عام الفتح إنما هو شكر المنعم به؛ وهو استذكار للانتقال من الضعف إلى القوة، ومن الفتنة في الدين إلى جعل الكلمة العليا لدين رب العالمين.
وإذا كان الترجيع ليس إلا ترديدًا للمعنى، وتذوقًا له واستطابة، واعتبارًا به، فكذا يكون التغني الذي استحسنه النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ أن العرب الذين كانوا يقرءون القرآن كانوا على علم بأساليب البيان، ومعاني الفرقان؛ فكانوا يترنمون بالألفاظ ترجيعًا لمعناها، وتذوقًا لجمالها؛ الغرض منه أن يسهل على السامع فهم المعنى وتذوقه، وإدراك جمال الأسلوب، وجمال الألفاظ.
أما إذا كان التغني بالقرآن لمجرد النغم من غير نظر إلى المعاني، ومن غير أن يدرك السامع جمال اللفظ وجمال الأسلوب، بل يستطيب الألحان من غير تفرقة بين أن تكون الألحان في ألفاظ التنزيل، أو تكون في شعر عربي فصيح أو أوزان عامية مستحدثة، فذلك هو الذي لا نعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره؛ بل نؤمن بأنه نهى عنه، وتنبأ بوقوعه وحذر منه.
(يُتْبَعُ)