ـ [القارئ المليجي] ــــــــ [17 - Aug-2010, صباحًا 11:47] ـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وبعد:
قال الله تعالى:
{قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 63، 64] .
في هاتين الآيتين الكريمتينِ يعيب الله - عزَّ وجلَّ - على المشركين، وينعَى عليْهِم شِرْكَهم وجحودهم، مع أنَّهم حين تغْشاهم ظلُمات البر والبحر، وتُحْدِق بهم المخاوف والمكاره، يلجؤون إليه سبحانه، ويدعونه تضرُّعًا وخفية، يطلبون منه النَّجاء، ويُعاهِدونه على أن يكونوا بعد ذلك من الصَّالحين الشَّاكرين.
لكنَّهم لا يصْدقون في عهدهم، فما يلبثون بعد النَّجاء وعند الرَّخاء حتى يعودوا إلى شركهم وصلَفهم وجحودهم - أعاذنا الله من ذلك - فهذا كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى البَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67] ، وكما قال: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65] ، وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يونس: 12] .
وفي هاتين الآيتيْن أيضًا من المباحث اللُّغويَّة، وفي اختلاف القراءات علمٌ جمٌّ، وفوائد جليلة، هِي مقْصودنا في هذه المقالة.
ـ [القارئ المليجي] ــــــــ [17 - Aug-2010, مساء 12:14] ـ
أمَّا القراءات ومباحث اللُّغة في هاتين الآيتين:
1 -فقرأ يعقوب بن إسحاق الحضرمي - من القُرَّاء العشَرة: (قُل مَن يُنْجِيكم - لئِن أنْجَيْتَنا - قل الله يُنْجِيكم) .
كلّ هذا من الفعل (أنجى) الرّباعي، الذي زيادته بالهمزة، همزة التعدِية؛ فالمضارع يُنْجي، بسكون النون وتخفيف الجيم.
وفي هذه القراءة: (لئن أنْجَيْتنا) هي من كلام المشْركين الذي يدعون به، وهذا فيه حكاية القول كما هو.
فقولهم: (لئن أنجيْتَنا) يُخاطبون به مَن يَدْعونه يلتمسون عنده النَّجاة، وهو المسؤول عنه في قوله تعالى: (قل مَن ينجيكم) .
ـ [القارئ المليجي] ــــــــ [17 - Aug-2010, مساء 12:21] ـ
2 -وقرأ الكوفيُّون [وهم: عاصم بن أبي النجود، وحمزة الزيَّات، والكسائي النحوي، وخلف بن هشام البزار، والرواة عنْهم] : (قُل مَن يُنَجِّيكم - لئِن أنْجَانَا - قل الله يُنَجِّيكم) .
فقوله تعالى: (يُنَجِّيكم) في الموضعَين من الفِعْل (نجَّى) الرباعي، الَّذي زيادته بالتَّضعيف؛ فالمضارع يُنَجِّي، بفتح النّون وتشْديد الجيم.
وقوله تعالى: (أنْجَانَا) يقرؤها حمزة والكسائي وخلف [وهؤلاء الثلاثة يقال لهم:"الأصحاب"في اصطلاح بعض كتب القراءات] بالإمالة، وأمَّا عاصم فلا يُميلها.
و: (لَئِنْ أنجَانا مِنْ هَذِه لَنَكونَنَّ) هي حكاية ما يدْعون به أيضًا، لكن ليس فيه خطاب مَن يتوسَّلون به ويجأرون إليْه، وإنَّما دعاؤُهم له على الغيب.
والسياق هنا راعى التناسُب بين: (مَن ينجيكم - تدعونه - لئِن أنجانا) ، فكلّ ذلك على الغيب.
ولا يُقال: إنَّ هذا ليس حكاية لقولِهم بنصِّه، بل هو إخبار مِن الله بمضمون ما يدْعون به.
لماذا؟ لأنَّه لو كان كذلك لكان ينبغي أن تكون: (تدعونه تضرُّعًا وخفية لئن أنجاكم .. لتكونُنَّ) .
3 -وقرأ شعبة (أبو بكر) من الكوفيين:"وخِفْية"، بكسر الخاء.
4 -وكلُّ مَن عدا يعقوب يقرأ: (قُل مَن يُنَجِّيكم) بالتَّشديد.
وكل مَن عدا الكوفيِّين يقرأ هُنا: (لئن أنجيْتَنا) ، وهو هكذا في مصاحفهم التي بعث بها عثمان بن عفَّان - رضي الله عنه -.
وقراءة الكوفيين (لئِن أنْجَانَا) موافقة لرسم مُصْحفهم أيضًا.
ـ [القارئ المليجي] ــــــــ [17 - Aug-2010, مساء 12:24] ـ
(يُتْبَعُ)