ـ [المهداوي] ــــــــ [08 - Jan-2010, صباحًا 01:41] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته وبعد: فهذه قواعد في فقه التعامل مع المخالفين لا غنى عنها لمن أراد الحق و استمسك بالعدل من أهل السنة، فأهل السنة أعلم الناس بالحق و أرحمهم بالخلق، فإليكموها
قواعد فقه التعامل مع المخالفين
الشيخ سليمان الماجد حفظه الله
كان من سنن الله تعالى في خلقه أن جعلهم مختلفين في أشياء كثيرة: في ألسنتهم وألوانهم، وفي طبائعهم وميولهم النفسي والعقلي والعاطفي، وفي آرائهم ونظراتهم في الدين والنفس والمجتمع وما يحيط بهم:
قال تعالى:"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) "هود.
وقال سبحانه:"وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) "البقرة.
وكان ذلك لحكم عظيمة من أوضحها: الابتلاء والامتحان؛ ليظهر من يُعَظِّم الحق ومن لا يُعَظِّمه، وليُعرف ـ أيضًا ـ جزاء العاصي والمطيع:
قال جل شأنه:"وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) "المائدة.
ومن هذه الحِكَم: شحذُ العقل للمزيد من التدبر والتأمل في القرآن والنفس والآفاق.
والمخالف هو كل من خالفك في أي شيء؛ فهو الوثني والملحد والكتابي والمرتد والمنافق والمبتدع بدعة اعتقادية والمبتدع بدعة عملية، وهو المنازع في المسائل الفقهية القطعية والظنية، وكذلك في المناهج المختلفة، سواء كانت دعوية أو سياسية أو عملية أو في أي صعيد. فكل من لا يرى رأيك أو عملك فهو لك مخالف.
وكل هؤلاء المخالفين ينبغي أن يعاملوا بقواعد العدل التي دلت عليه الشريعة. وإن كان الكلام في أكثره هنا إنما هو على المخالفين من أهل السنة.
وهذه القواعد وإن كان أكثرها ينتظم كل مخالف من أهل القبلة وغيرهم إلا أن محل البحث هم المخالفين من أهل السنة؛ كالمنسوبين للأشعرية والصوفية.
الأثر المقصدي والشرعي لفقه الخلاف:
إذا تحقق فقه الخلاف كما أراده الله تعالى فإن لذلك آثارًا عظيمة في النفس والمجتمع؛ فمنها:
1.تحقيق العبودية لله:
يتحقق بإحياء فقه الخلاف أشرف المعاني، وأجل المقاصد: إنه توحيد الله، وتمام العبودية له جل شأنه في خطرات الإنسان، وتفكيره تجاه الآخرين، وفي تعامله معهم.
2.يحصل به التمحيص والامتحان:
فالخلاف مضيق لآراء الناس ومواقفهم، وعند المضايق يذهب اللب، وإذا ذهب اللب فلا تسأل عن ضياع حقوق المخالف؛ بل ضياع الحق نفسه في أحيان كثيرة.
فالرأي الذي يعلنه الشخص مرآة لعقله وفكره أو أتباعه أو متبوعيه، والسائد عند كثير من الناس أن المخالفة والنقد انتقاص لعقله وتسفيه لرأيه وعدوان على محبيه، وحينئذ يبدأ العدوان على المخالفين .. وهو عدوان ظاهره فيه الرحمة: محبة الحق، وباطنه فيه العذاب: محبة النفس والانتصار لها.
إن أخطر ما في العلاقة بالمخالف هو كثرة اضطراب الموازين في التعامل معه؛ مما يؤدي إلى العدوان عليه وظلمه وبخسه حقه، لاسيما إن كثيرًا ممن يتكلم في مخالفه إنما يُحدِّث نفسه، أو يخاطب من هو على مثل رأيه؛ فلا يسمع إلا ثناء المعجبين بقوله؛ مما يزيده ضعفًا في بصيرته.
(يُتْبَعُ)