ـ [محمد شوقي عبد الرحمن] ــــــــ [01 - Apr-2008, مساء 01:21] ـ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - وبعد،
فقد وجدت بحثًا قيمًا به فوائد كثيرة تتعلق بالاستعاذة، فقلت في نفسي لو نشرته لتعم الفائدة فكان هذا؛ لذا فأرجو من الله تعالى أن تعم به الفائدة، والله المستعان، وبه التوفيق.
أولا: معاني المفردات:
* تأويل قوله: (أَعُوذُ) .
(عوذ) [العين والواو والذال أصلٌ صحيح يدلُّ على .... الالتجاء إلى الشَّيء، ثم يُحمَل عليه كلُّ شيء لصق بشيءٍ أو لازَمَه.] 1
[فقوله:"أعوذ"مشتق من العَوْذ، وله معنيان] 2:
• أحدهما: [الالتجاء والاستجارة] 3، و [التحيز إلى الشيء، على معنى الامتناع به من المكروه] 4
ومن الأمثلة العربية التي تشهد لهذا المعنى:
1 - [يقال: عذت بفلان واستعذت به؛ أي لجأت إليه، وهو عياذي؛ أي ملجئي] 5.
2 -وفي حديث حذيفة: [تُعْرَضُ الفتنُ على القلوب عَرْضَ الحصير عُودًا، عُودًا] 6 بالدال، قال ابن الأَثير: وروي [بالذال المعجمة] 7 كأَنه استعاذ من الفتن8.
• والثاني: [الالتصاق] 9.
ومن الأمثلة العربية التي تشهد لهذا المعنى:
1 - [يقال:"أطيب اللحم عوذه"وهو ما التصق منه بالعظم] 10، [قال ثعلب: قلت لأَعرابي: ما أَطيب اللحم؟ قال: عُوَّذُه] 11.
2 -ويقولون لكلِّ أنثى إذا وضعت: عائذ. وتكون كذا سبعةَ أيّام، وإنّما سمِّيت لما ذكرناه من ملازمة ولِدها إيّاها، أو ملازمتها إيّاه12.
3 -وناقة عائذ: عاذ بها ولدها 13.
4 -ومُعَوَّذُ الفرس: موضع القلادة 14.
* تأويل قوله: مِنَ الشَّيْطَانِ
الشيطان واحد الشياطين
وله ثلاثة معان:
• أولها وهو أصحها: البعيد.
مُشْتَقّ مِنْ شَطَنَ إِذَا بَعُدَ فَهُوَ بَعِيدٌ بِطَبْعِهِ عَنْ طِبَاع الْبَشَر وَبَعِيد بِفِسْقِهِ عَنْ كُلّ خَيْر 15.
ومما يدل على ذلك من كلام العرب
1 -شَطَنَتْ دَاري من دارك - يريد بذلك: بَعُدت.
2 -ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان16:
نأتْ بِسُعَادَ عَنْك نَوًى شَطُونُ
فبانَت, والفؤادُ بها رَهِينُ
3 -وبئر شطون. أي: بعيدة القعر17.
4 -والشطن: الحبل؛ سمي به لبعد طرفيه وامتداده18.
• الثاني: المتمرد، وهو قريب من الأول، بل إن البعض يقرن بينهما
قال الطبري: والشيطان، في كلام العرب: كل متمرِّد من الجن والإنس والدوابِّ وكل شيء، وإنما سُمي المتمرِّد من كل شيء شيطانًا، لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاقَ سائر جنسه وأفعاله، وبُعدِه من الخير19.
ومما يستدل به على هذا المعنى:
1 -قول الله تَعَالَى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) (الأنعام: من الآية112) ، فجعل من الإنس شياطينَ، مثلُ الذي جعل من الجنّ20.
2 -وَفِي مُسْنَد الْإِمَام أَحْمَد عَنْ أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [يَا أَبَا ذَرّ تَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ"فَقُلْت أَوَلِلْإِنْسِ شَيَاطِين؟ قَالَ"نَعَمْ] 21.
3 -وعن عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ [أنه رَكِبَ بِرْذَوْنًا فَجَعَلَ يَتَبَخْتَر بِهِ فَجَعَلَ يَضْرِبهُ فَلَا يَزْدَاد إِلَّا تَبَخْتُرًا فَنَزَلَ عَنْهُ وَقَالَ مَا حَمَلْتُمُونِي إِلَّا عَلَى شَيْطَان مَا نَزَلْت عَنْهُ حَتَّى أَنْكَرْت نَفْسِي] إِسْنَاده صَحِيح 22.
[فقولك"من الشيطان"أي: من كل عات متمرد من الجن والإنس، يصرفني عن طاعة ربي، وتلاوة كتابه] 23.
• الثالث: من الاحتراق
مُشْتَقّ مِنْ شَاطَ لِأَنَّهُ مَخْلُوق مِنْ نَار 24.
أو مأخوذ من شاط يشيط إذا هلك، وشاط إذا احترق، وشيطت اللحم إذا دخنت ولم تنضج، واشتاط الرجل إذا احتد غضبا، واشتاط إذا هلك؛ قال الأعشى:
قد نخضب العير من مكنون فائله وقد يشيط25 على أرماحنا البطل.
الرد على من قال أنه من الاحتراق:
1 -قولُ أميّة ابن أبي الصّلت:
أَيُّما شاطِن عَصَاه26 عَكاهُ
ثُم يُلْقَى في السِّجْن والأكْبَالِ
ولو كان فَعلان، من شاطَ يشيط، لقال أيُّما شائط، ولكنه قال: أيما شاطنٍ، لأنه من"شَطَن يَشْطُنُ، فهو شاطن"27.
(يُتْبَعُ)