فهرس الكتاب

الصفحة 25005 من 27809

وتلك الأيام: ذكريات غالية بكلية الشريعة أكادير(الحلقة الثانية)

ـ [عبد السلام أيت باخة] ــــــــ [09 - Jan-2010, مساء 10:15] ـ

مع الأستاذ المفضال: محمد الوثيق

هذا الرجل من أحب الأساتذة إلى قلبي، ولست أعلم له نظيرا في تواضعه وحلمه، وحبه لطلبته إلا شيخنا الجليل مصطفى سليمي بالمركز التربوي الجهوي بأسفي.

فحصته حفظه الله تمر علي كالبرق، وكم وددت لو كانت كل الساعات من تأطيره، ذلك أن منهجه فريد في التدريس، فهو يطرح المسألة ويؤصلها ثم يترك النقاش للطلبة، فيتبادلون الفوائد والمعلومات ... وهو نفس صنيع شيخنا سليمي بأسفي، لذلك قلت إن بينهما تشابها كبيرا في القلب والقالب.

والذي يعجبني في الأستاذ طول سكوته مع علم وقاد، فقد يسكت الحصة كاملة تاركا وقتها الكامل لتدخلات الطلبة ...

النقاشات عنده محتدمة، خصوصا في بعض المواضيع الحساسة، التي يقع الخلاف فيها بين الطلبة عادة.

ومن أشد النقاشات التي عشتها ما وقع لنا مع بعض الطلبة من دعاة الشغب والنشاز، الذين عناهم الإمام الطرطوشي رحمه الله في قوله:"إذا رأيت الرجل جبل على الخلاف، إن قال الناس نعم قال لا، وإن قال الناس لا قال نعم، فألحقه بعالم الحمير، فإن دأب الحمار إن أقربته بعد، وإن أبعدته قرب"

هذا الطالب الصحراوي، كان يشن كل غاراته على السنة وأهلها وأعلامها، فلما أراد الله أن يكشف أمره، وقع في الصحابة ونفى أن يكونوا عدولا، كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، فلما تكلم بخباله هذا، قال لنا الأستاذ الفاضل: من يرد عليه؟

فرفع كثير من الطلبة أصابعهم، ومنهم أخونا أبو جعفر، ثم تقدمت إلى الإمام وأخذت مكبر الصوت ورددت عليه بكلام أهل العلم موثقا من مصادره وبينت خطورة كلامه، فكانت هذه المداخلة حزا لغلاصمه، ومنذ ذلك الوقت، وهو يكن لي من البغض ما الله به عليم، وحيثما حل وارتحل يشغب علي، وأنا أحمد الله عز وجل أن هذا البغض مصدره دفاعي عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إنه مرة حضر في نقاش لنا مع أشعري محترق نسقه بعض إخواننا، وكان غرضه من الحضور أن يستبشر بانهزامي في المناظرة تشفيا وانتقاما، لكن الله رد كيده في نحره، وخرج مع شيخه الأشعري وهو يجر أذيال الخيبة والهزيمة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

قصدي أن الأستاذ لما أنهيت مداخلتي قال لي بصوت خافت لما ممرت بجانبه:"جزاك الله خيرا"

وبعد صدور نتائج الامتحانات وجدت أن الأستاذ قد منحني في مادته نقطة:17 وهي أعلى نقطة في مادته.

والكلام عن أستاذنا الدكتور محمد الوثيق يطول أكتفي بهذا القدر منه والحمد لله وحده.

مع العلامة محمد جميل مبارك

شيخنا العلامة محمد جميل مبارك حفظه الله جمع الله فيه صفات قل أن تجدها مجتمعة في عالم خصوصا في هذه العصور، فهو شيخ متقن للقراءات العشر، وأصولي ضليع، وفقيه نوازلي متمكن مع بصيرة بعلم الحديث والآثار، أما اللغة العربية فهو ابن بجدتها كما يقال ...

درس في أول أمره بالمدارس العلمية العتيقة، وفيه حفظ المتون الشرعية واللغوية، وحسب علمي أن دراسته كانت بمدرسة إداومنو، ثم سافر إلى أرض الكنانة وفيها أخذ القراءات عن شيوخ البلد، ليرجع بعد ذلك إلى المغرب شيخا مدرسا، ومشروعه في المقرأة التي أنشأها بمدينة أكادير مشروع فريد أصيل بلغ صيته أقاصي البلاد.

درسنا عنده مادة القراءات ومادة القواعد الفقهية، وفيهما استفدنا علما غزيرا من فيض علمه حفظه الله.

والرجل سني أثري جمع بين مقومات السمت والصناعة، وتلك أخلاق العلماء.

ومن عجيب أمره تواضعه الجم وصبره عن تساؤلات الطلبة بعد نهاية الحصة وخروجه من الكلية

ووالله كم من مرة رغبت في سؤاله عن مسائل كثيرة، ويمنعني من ذلك ما أراه من كثيرة توقيف الطلبة له تحت حر الشمس وهو صابر محتسب يجيب بأريحية عجيبة عن أسئلتهم ولا يكاد يدعهم حتى يدعوه.

إذا شارك في ندوة من الندوات كانت كلمته كالدر الثمين، في أسلوبها ودقة أدلتها، وسلامتها من اللغو وحشو الكلام، وهو فخر للكلية، إن خرج منها أكاد أجزم أن أحدا لا يستطيع أن يسد مسده.

مرة أطلعته على النادي ومشروعه وأهدافه، وكان ذلك قبل التأسيس، فأعجبته الفكرة وفرح بها، وأخبرني أنه يسعد بالإشراف عليه، ولكن يمنعه من ذلك كثرة أشغاله.

حفظه الله وأمد في عمره.

مع العلامة محمد الحسن شرحبيلي

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت