ـ [ابن هشام الدمشقي] ــــــــ [26 - Sep-2009, صباحًا 10:24] ـ
نظرة عامة في روايات الحديث في كتب السنة
هذا حديث عظيم جليل القدر، فيه من بيان أهمية التوحيد، وأنه مفتاح الجنة، وأن الموحدين مآلهم إلى الجنة وإن تأخر دخولهم إليها بسبب معاصيهم، وفيه من بيان كمال قدرة الله عز وجل وكمال علمه سبحانه وتعالى، وسعة رحمة الله جل جلاله بالموحدين، وفضيلة الخوف من الله عز وجل ما الله به عليم.
وقد روى هذا الحديث جمع من فضلاء الصحابة منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وسلمان الفارسي ( [1] ( http://majles.alukah.net/#_ftn1 ) ) ، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو مسعود الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين. وأخرجه عنهم كما سبق بيانه وسرده في الفصل الأول جمع كبير من مصنفي الحديث الأعلام مثل الشيخين الإمامين البخاري ومسلم وغيرهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (661 - 728هـ) : (وهذا الحديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أصحاب الصحيح والمساند من حديث أبي سعيد وحذيفة وعقبة بن عامر وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة يعلم أهل الحديث أنها تفيد العلم اليقيني وإن لم يحصل ذلك لغيرهم) ( [2] ( http://majles.alukah.net/#_ftn2 ) ) .
فهذا حديث صحيح ثابت، إلا أنه ورد بروايات متعددة، وتتفق الروايات أو تأتلف بمجموعها على وصف حالة الرجل المذكور أنه رجل عاش فيما قبل زمن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وهو رجل أنعم الله عز وجل عليه بالمال والولد، ولكن هذا الرجل رغم هذه النعم أسرف على نفسه من المعاصي، وكان نباشًا ينبش القبور، فلما شعر بدنو أجله وعلم أنه لا بد سيبعث من جديد ويحاسب على أفعاله، تذكر معاصيه وإسرافه على نفسه، ففكر في طريق للنجاة، فجمع أولاده وأوصاهم أن يحرقوا جسده بعد الموت حتى يصير فحمًا، ومن ثم يطحنوه حتى يصير رمادًا، ومن ثم يذروا هذا الرماد في البر والبحر، وثم ينقلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما سيحدث في المستقبل من أن الله يبعث هذا الرجل ويسأله عن السبب الباعث له على هذا الفعل، فيجيب هذا الرجل أنه ما فعل ذلك إلا خشية من الله عز وجل وخوفًا منه سبحانه، فيغفر الله له معاصيه ويتوب عليه ويدخله الجنة بتلك الخشية والخوف.
فإن قلت: فلماذا أمر هذا الرجل أولاده بحرق جسده بعد الموت وذري رماده في البر والبحر؟
أقول بحول الله تعالى: قد أجمعت الروايات قاطبة سؤال الله عز وجل لهذا الرجل عن سبب فعله هذا، وهو أجاب ولم يكذبه الله عز وجل على أنه إنما فعل ذلك خشية من الله وخوفًا، ولهذا غفر الله له وأدخله الجنة.
واختلفت الروايات في حديث الرجل مع أهله حين أوصاهم ما أوصاهم، ففي بعض الروايات لم يعلِّل لهم سبب أمره إياهم بأن يحرقوه ويذروا رماده، وفي بعض الروايات ذكر لهم أنه لم يعمل خيرًا قط، وفي الروايات الأخرى وردت ألفاظ متعددة ( [3] ( http://majles.alukah.net/#_ftn3 ) ) خاطب بها الرجل بنيه فسببت إشكالًا في فهم الحديث وتوجيهه، ونحن نفصِّل لك هذا بفضل الله عز وجل فنقول وبالله التوفيق ومنه نستمد الإعانة:
إن قصة هذا الرجل وردت في كتب السنة على ستة أقسام:
القسم الأول: ورد فيه أن الرجل أمر أهله أن يحرقوه خشية من الله وخوفًا، ولم يذكر لبنيه قولًا فيه شك في قدرة الله أو في علم الله، ولا نفي لهما.
مثال هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء / باب حديث الغار: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ رَغَسَهُ اللَّهُ مَالًا فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ، قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ، فَفَعَلُوا، فَجَمَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ،
(يُتْبَعُ)