فهرس الكتاب

الصفحة 15128 من 27809

ـ [بندر المسعودي] ــــــــ [28 - Jun-2008, صباحًا 12:09] ـ

هل التزام مذهب معين أمر مطلوب أصوليًا؟

انقسم الأصوليون في هذه المسألة على آراء ثلاثة:

1 -فقال بعضهم: يجب التزام مذهب إمام معين، لأنه اعتقد أنه حق، فيجب عليه العمل بمقتضى اعتقاده.

2 -وقال أكثر العلماء: لايجب تقليد إمام معين في كل المسائل والحوادث التي تعرض، بل يجوز أن يقلد أي مجتهد شاء، فلو التزم مذهبًا معينًا كمذهب أبي حنيفة أو الشافعي أو غيرهما، لايلزمه الاستمرار عليه، بل يجوز له الانتقال منه إلى مذهب آخر، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله تعالى ولا رسوله على أحد أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة، وإنما أوجب الله تعالى اتباع العلماء من غير تخصيص بواحد دون آخر، فقال عز وجل: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون} [الأنبياء:7/ 21] ، ولأن المستفتين في عصر الصحابة والتابعين، لم يكونوا ملتزمين بمذهب معين، بل كانوا يسألون من تهيأ لهم دون تقيد بواحد دون آخر، فكان هذا إجماعًا منهم على عدم وجوب تقليد إمام، أو اتباع مذهب معين في كل المسائل.

ثم إن القول بالتزام مذهب ما، يؤدي إلى الحرج والضيق، مع أن المذاهب نعمة وفضيلة ورحمة للأمة.

وهذا القول هو الراجح عند علماء الأصول.

3 -وفصل الآمدي والكمال بن الهمام في المسألة فقال: إن عمل الشخص بما التزمه في بعض المسائل بمذهب معين، فلا يجوز له تقليد الغير فيها، وإن لم يعمل في بعضها الآخر جاز له اتباع غيره فيها، إذ إنه لم يوجد في الشرع مايوجب عليه اتباع ماالتزمه، وإنما أوجب الشرع عليه اتباع العلماء دون تخصيص عالم دون آخر.

يتلخص من هذا أن القول الأصح الراجح عند علماء الأصول: هو عدم ضرورة الالتزام بمذهب معين، وجواز مخالفة إمام المذهب، والأخذ بقول غيره، لأن التزام المذهب غير ملزم، كما بينا. وبناء عليه فلا مانع إطلاقًا من حيث المبدأ في العصر الحاضر من اختيار بعض الأحكام الشرعية المقررة لدى علماء المذاهب، دون تقيد بجملة المذهب أو بتفصيلاته.

ويضاف لذلك أن الفقهاء قرروا جواز العمل بالقول الضعيف في المذهب عند الضرورة أو الحاجة، وهذه هي نصوصهم:

1 -للقاضي أن يلجأ إلى غير مذهبه للضرورة (فتوى عطاء بن حمزة) .

2 -للقاضي أن يعمل بغير المشهور من مذهبه إذا نص السلطان على ذلك (نص الدر المختار للحصكفي) .

3 -للقاضي أن يقضي بالقول المنصوص على فساده، ولا ينقض قضاؤه، لأنه مجتهد فيه، إلا إذا كان في مقابلة أخذ المال، أو للهوى والغرض (عبارة جامع الفصولين وتعليلها) .

4 -جواز العمل والإفتاء بالقول الضعيف في مواضع الضرورة (عبارة المعراج عن فخر الأئمة) .

5 -جواز العمل بالضعيف للشخص في خاصة نفسه، وللفتوى إذا تحقق المفتي الضرورة (عبارة الدسوقي المالكي) .

6 -منع التخيير إذا كان الغرض من الالتجاء إلى القول الضعيف الشهوة والغرض، اتباعًا للهوى وابتغاء حطام الدنيا.

7 -إن خروج المقلد من العمل بالمشهور إلى العمل بالشاذ الذي فيه رخصة من غير تتبع للرخص صحيح عند كل من قال بعدم لزوم تقليد الأرجح، وهو قول الأكثر من الأصوليين. ويباح للمقلد أن يقلد من شاء من أقوال المجتهدين. وإن نقل الإجماع على منع ذلك غير صحيح

8 -وكذا يجوز الأخذ والعمل لنفسه بالأقوال والطرق والوجوه الضعيفة، إلا بمقابل الصحيح، فإن الغالب فيه أنه فاسد، ويجوز الإفتاء به للغير بمعنى الإرشاد

هل يجب سؤال الأفضل والأرجح في العلم، أو يصح سؤال من تيسر؟

عبارة الأصوليين المشهورة في هذه المسألة هي: هل يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل؟

للعلماء رأيان في ذلك.

1 -قال جماعة (وهو مذهب أحمد في رواية عنه وابن سريج والقفال الشافعيين، وأبي إسحاق الإسفراييني الملقب بالأستاذ، وأبي الحسن الطبري الملقب بالكِيَا، واختاره الغزالي، وهو المذهب المشهور عند الشيعة) : يجب استفتاء الأفضل في العلم والورع والدين، ويجب على السائل النظر في الأرجح، ثم اتباعه، ويكفيه الاعتماد على الشهرة. قال الغزَّالي في المستصفى:

«والأولى عندي أنه يلزمه اتباع الأفضل، فمن اعتقد أن الشافعي رحمه الله أعلم، والصواب على مذهبه أغلب، فليس له أن يأخذ بمذهب مخالفه بالتشهي» .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت