ـ [عبدالله الهدلق] ــــــــ [29 - May-2010, مساء 06:36] ـ
ماذا لو لم يكن هناك تجاربُ يَتمهّر بها العقل؟ لا شيء , لأنه لن يكون ثمة إنسان ..
أنا ربيبُ ثقافة تُقبّح - كما لا تفعل ثقافة أخرى - الحديثَ عن الذّات على أي صورة كان , ولأيّ معنىً يراد ..
وما أراه أن الحديث عن الذات يقع على ضربين اثنين:
1 -مايسوقه المرء لتمجيد نفسه , والثناء عليها , والزّراية على الآخرين والحطّ منهم ,وهذا هو المُذمّم الممجوج.
2 -حديثٌ تكون الذات وسيلتَه , لكنه إنما يساق لعبرة في الكلام , ودرس من الحياة لا يَتوصّل إليه المتحدث إلا بهذه الطريق ..
والضرب الأخير هو الذي أعيب على ثقافتنا العربية ضعفَ المشاركة فيه , وكم خسرنا بذلك ..
في حين أنك تجد أن لكثير من الثقافات الأخرى احتفاءً بالغًا به , كلٌّ بحسب تجربته: من نادل مطعم , إلى رئيس دولة .. (قَلّ أن وجد علم من أعلام اليهود في العصر الحاضر إلا وله ترجمة ذاتية) .
والمرء مهما تقلّبت به الحياة , واتسعت معارفه , وطال أمده , يظل ضعيف التجربة لأنه محدود قاصر , أسير معانٍ لا يتجاوزها .. لكنه إن طالع تجارب الآخرين على اختلاف ما هم عليه من مقادير ومنازع وبلدان وأعراق وثقافات؛ أثرى عقلَه , وأضاف من ألوان الحياة إلى حياته , ومن نافذ الخبرة وعميق التجربة الشعورية؛ ما لا يظفر بمثله إلا بهذا ..
وفي هذا الموضوع , أودّ أن أقيد بعض ما عرض لي مما أرى أنه جدير بالذكر , وأقصد من ذلك - على قصور وضعف - أن أفيد إخواني من القراء , وسأورد في آخر هذه المواقف مجتلى العبرة التي خرجت بها ..
هذا؛ وإني آمل من الإخوة الأفاضل أن يتكرموا بالمشاركة لإثراء هذا الموضوع بذكر تجربة مما مرّ بهم مع مراعاة هذين الأمرين:
1 -الابتعاد قدر المستطاع عن التقليدي و المكرور من التجارب.
2 -تذييل آخر التجربة بذكر وجه الفائدة التي خرج بها الكاتب الكريم إذ ربما خفيت ..
ولا يحقرنّ أحد نفسه , فربّ موقف لا يأبه له الكاتب يكون له من الأثر في نفس قارئه ما يغير به وجه حياته ..
وإني لأعد الإخوة أنه متى تجمع من مشاركاتهم مادةٌ علمية صالحة؛ فإني سأقوم على تحريرها ونشرها في كتاب على نفقتي الخاصة ولو اقتضاني ذلك أن أستدين له , ومن يدري: فربما جاء من هذه المشاركات كتابٌ حافل تراه قد شرّق وغرّب .. والله المسؤول أن يوفقنا لمواضع الرشد , ومواقع الهداية ..
الله أكبر
كنتُ في عام 1410 هـ أدرس في كلية أصول الدين أيام كانت في حي الملز , وكان يقع شمالها غير بعيد منها مسجد يفصله عن الكلية أحد الشوارع العامة , يصلي فيه كثير من الطلبة صلاة الظهر.
وفي أحد الأيام خرجتُ من المسجد بعد الصلاة فإذا بالناس قد تجمهروا عند إحدى السيارات , فأسرعتُ لأستطلع الخبر على عادة قبيحة فيَّ في أمثال هذه المواقف (تخلّصتُ منها لاحقًا) فوجدت رجلًا قد أخفى كثيرًا من وجهه بشماغه ملتصقًا بإحدى السيارات , ورأيتُ شيخًا يقرأ من ورقة معه فيها: أن هذا الرجل قد شرب المسكر , وأنه سيقيم الحدّ عليه , فشققت عن الناس حتى وقفت قريبًا منهما .. تناول الشيخ خيزرانة وأدار وجه الرجل نحو السيارة وأخذ يضربه ويغير الخيزرانة إلى أخرى بعد عدد من الضربات , وهكذا حتى أنهى إقامة الحدّ عليه , وأنا أنظر مبهوتًا خائفًا , فلِلحدّ وقعٌ شديدٌ على النفس ولم أكن رأيت شيئًا من مثل هذا من قبل ..
ثم إن الشيخ التفت إلينا بعد أن أنهى الضرب مستنكرًا وقال: ماهذا ياإخوان؟ هذا حدٌّ من حدود الله يقام , ألا تكبّرون؟
قال"ألاتكبّرون"وهو يوجه نظره إليّ فقد كنت شديد القرب منه , فانفعلت لكلامه وصحت بأعلى صوتي مرددًا كأني في فيلم تاريخي: الله أكبر , الله أكبر .. ولم يكبّر أحد معي إلا يسيرًا , فابتسم الشيخ , وابتسم الحاضرون معه لانفعالي وطريقتي في التكبير , ولكن الذي أقيم عليه الحدّ لم يكن يبتسم معهم!
ظن بأنني أشمت به , وهو في حال لاتسر , فنظر إليّ نظرة تقدح شررًا وحقدًا , وأخذ يتحفّز ويدافع نفسه , يقترب مني ليهجم عليّ ثم يتردد ويقف .. لا أدري أين ذهب ذلك الشيخ , فرجعتُ إلى الوراء قليلًا وهو يحاول أن يتجه نحوي , ثم اندسستُ بين الناس وأنا أتصبّب عرقًا , واجتزت الشارع مسرعًا إلى حيث سيارتي وهربت .. وهو لو كان ظفر بي لأقام علي الحد! عسى الله أي يكفّر عنا وعنه.
تعلّمتُ من هذا الموقف:
1 -ألا أبالغ في الانفعال ..
2 -وألا أقترب كثيرًا من صناعة الحدث!
للتواصل:[email protected]
ـ [جذيل] ــــــــ [29 - May-2010, مساء 07:57] ـ
2 -وألا أقترب كثيرًا من صناعة الحدث!
كأنّك تحفُر فيّ لتخرِجَ أمرًا أكره البَوح به ..
لا لكراهة الأمر ..
ولكن لِعمق مكانه .. وصعوبة اجترارهِ .. !!
لكن ..
ليِكن المصنعُ
وليِكن الحدثُ
قَلُمك سال
والذكرةُ تُجْتَر ..
عسى أن يكون الموعِدُ قريبٌ ..
(يُتْبَعُ)