ـ [أبو أحمد المهاجر] ــــــــ [02 - Jul-2009, صباحًا 09:14] ـ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين أما بعد:
فإن من أشكل أبواب الفقه هو باب الحيض، و من أشكل هذا الباب هو مسألة المستحاضة؛
قال العلامة النووي في المجموع:
(اعلم أن باب الحيض من عويص الأبواب، ومما غلط فيه كثيرون من الكبار لدقة مسائله؛ واعتنى به المحققون وأفردوه بالتصنيف في كتب مستقلة، وأفرد أبو الفرج الدارمي -من أئمة العراقيين- مسألة المتحيرة في مجلد ضخم ليس فيه إلا مسألة المتحيرة وما يتعلق بها، وأتي فيه بنفائس لم يسبق إليها، وحقق أشياء مهمة من أحكامها؛ وقد اختصرت أنا مقاصده في كراريس) اهـ.
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (القواعد النورانية) :
( .. فإن مسائل الاستحاضة من أشكل أبواب الطهارة) اهـ.
و من المسائل المتعلقة بالمستحاضة مسألة غُسل المستحاضة، و قد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على سبعة أقوال! و سبب اختلافهم هو اختلاف ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك أو تضعيف بعض رواياتها عند بعض أهل العلم، فاختلف مسلك العلماء فيها.
و قبل ذكر هذه الأقوال، لابد من العلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في وجوب الغسل على المستحاضة عند انقضاء زمن الحيض، وإن كان الدم جاريا، وهذا أمر مجمع عليه لحديث فاطمة بنت أبي حبيش، حيث قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - ( .. دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي) . متفق عليه.
قال النووي - رحمه الله تعالى - في المجموع:
(فيه دليل على وجوب الغسل على المستحاضة إذا انقضى زمن الحيض، وإن كان الدم جاريا، وهذا مجمع عليه) اهـ.
أقوال أهل العلم في غسل المستحاضة:
القول الأول:
أنها تغتسل كل يوم مرة في أي وقت شاءت من النهار، قال ابن عبد البر:"رواه معقل بن يسار عن علي-رضي الله عنه-"، قلت: و قد صح ذلك عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - كما في سنن أبي داود، وذكره أبو داود عن القاسم بن محمد وهو صحيح.
و هذا القول لا دليل عليه من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن رشد في (بداية المجتهد) :
"و أما من ذهب إلى أن الواجب أن تطهر في كل يوم مرة واحدة، فلعله إنما أوجب ذلك عليها لمكان الشك، ولست أعلم في ذلك أثرا"اهـ.
قلت: وفيه من الآثار ما سبق.
ومنهم من قال: تغتسل من ظهر إلى ظهر، و ذكر هذا أبوداود في سننه عن سعيد بن المسيب و صححه الألباني، وذكر أبوداود أنه رُوي عن ابن عمر و أنس بن مالك، وصحح الألباني قول أنس.
القول الثاني:
أنها تؤخر الظهر وتغتسل لها و للعصر غسلا واحدا، وتؤخر المغرب و تغتسل لها وللعشاء غسلا واحدا، وتجمع الصلاتين في الوقتين، و تغتسل غسلا مستقلا لصلاة الصبح.
و هذا مذهب ابن عباس و عطاء والنخعي، روى ذلك عنهم ابن سيد الناس في (شرح الترمذي) ؛ واستدلوا بحديث حمنة بنت جحش -رضي الله تعالى عنها - قالت كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما تأمرني فيها؟ قد منعتني الصلاة والصيام.
قال:
(أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم) .
قالت: هو أكثر من ذلك!.
قال: (فتلجمي) .
قالت: هو أكثر من ذلك.
قال: (فاتخذي ثوبا) .
قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجا!.
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:
(سآمرك بأمرين أيهما صنعت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم، فقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثا وعشرين ليلة أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها وصومي وصلي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كما تحيض النساء وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخرين الظهر وتعجلين العصر فتغتسلين وتجمعين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي وصومي إن قدرت على ذلك. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
(وهذا أعجب الأمرين إلي) اهـ.
(يُتْبَعُ)