فهرس الكتاب

الصفحة 5533 من 27809

ـ [ابن رجب] ــــــــ [01 - Jun-2008, صباحًا 02:43] ـ

قد كنت كتبت للشيخ عبد الله السعد بحثًا نفيسًا حول هذه الرواية، ونشرته من قبل، ولا مانع من نشره مرة أخرى لتتم الفائدة.

قال حفظه الله تعالى:

رواية أبي الزبيرـ محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي ـ عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه.

هناك من تكلم في هذه الرواية إذا لم تكن من طريق الليث بن سعد، ولم يُصرّح فيها أبو الزبير بالتحديث عن جابر.

فأقول: هناك من تكلم فيها وردّها، مع أنها باتفاق أهل الحديث تُعْتَبر من أصح الأسانيد، ومع ذلك وُجِد أنّ هناك من يَردّ هذا الإسناد الذي هو في غايةٍ من الصحة.

فما الذي جعل هذا الشخص ـ وغيره من أهل العلم ـ أنْ يَردَّ مثل هذا الإسناد، وهو في غايةٍ من الصحة؟

قال: إن أبا الزبير مُدلس ولم يُصرّح بالتحديثِ هنا، فلا بُدَّ أن يُصرّحَ في كل حديثٍ.

فنُجيبُ على هذا الشخص ونَردّ عليه، فنقول: إنّ قولك هذا مَرْدودٌ من ستة أوجه:

الوجه الأول:

ما المقصود بالتدليس هنا فيما وُصِفَ به أبو الزبير؟ هل هو التدليس المذموم الذي يُردُّ به خبر الراوي أم لا؟

لأن التدليس يطلق على أشياءٍ كثيرة، فيطلق على الإرسال، ويطلق ـ أيضًا ـ على التدليس؛ الذي هو إسقاط الراوي.

الوجه الثاني:

أن التدليس تحته أقسام مُتعددة، وليس هو قسم واحد، فلا بُدَّ أن يُحَدَّد، ما المقصود من هذا التدليس الذي رُمِيَ به أبو الزبير؟

فهناك تدليس الإسناد، وهناك تدليس الشيوخ ـ وهو أن يُسمّي التلميذ شيخه بغير الاسم المشهور به ـ أو يُكنّيه بكنيةٍ غير معروف بها ... وهكذا، وهناك تدليس العَطْف، وهناك تدليس السُكوت، وهناك أنواعٌ متعددة، قد تصل إلى خمسة أو ستة (1) ، فما المقصود من هذا التدليس الذي وُصِفَ به أبو الزبير؟.

الوجه الثالث:

هل أبو الزبير مُكْثِر مِن التدليس أم لا؟

فليس كل شخص قيل فيه أنه مدلس يكون مكثرًا من التدليس، بل هناك من هو مُقلّ من التدليس جدًا، ومنهم أبو الزبير، ويدل على هذا شيئين:

الأول: أنه لم يصفه أحد من الحُفّاظ بهذا، إلا ما جاء عن النسائي (2) رحمه الله، وهناك كلام لأبي حاتم يُفهم منه هذا الشي، وأما الباقي فلم يصفونه بالتدليس.

الثاني: قد تتبعنا حديثه، فأحيانًا في روايته عن جابر يذكر شخصًا آخر، فلو كان مُكثرًا من التدليس لأسقط هذه الواسطة، كذلك ـ أيضًا ـ عندما تتبعنا حديثه لم نجده ـ أحيانًا ـ يذكر واسطة، وكثير من المدلسين عندما تَتَتَبّع حديثه قد يذكر واسطة بينه وبين هذا الشخص الذي يروي عنه مباشرة، فهنا يكون قد دَلس، وأما أبو الزبير فقد تتبعنا أحاديثه في الكتب، في الصِحَاح والسنن والمسانيد والمصنفات، فما وجدناه إلا مُستقيمًا، وبحمد الله قد مرّت علينا سنوات ونحن نتتبع حديثه، فهو مُقلٌّ من التدليس، ومن كان مُقلّ من التدليس فالأصل في روايته أنها محمولة على السماع والاتصال ما لم يدل دليل على خلاف ذلك.

الوجه الرابع:

لو تنزّلنا وقلنا أنه دلس.

فنقول: الواسطة قد عُلِمَت بينه وبين جابر بن عبد الله، وصحيفة جابر صحيفة مشهورة، وقد رواها كبار التابعين في العلم والعمل، كقتادة وقبله الحسن البصري والشعبي، وأيضًا أبي الزبير، وغيرهم من أهل العلم.

كذلك نقول: أن أبا حاتم الرازي رحمه الله ـ وغيره ـ قد نصوا على أنهم قد أخذوا حديث أبا الزبير من سليمان بن قيس اليَشْكُري (3) ، وسليمان بن قيس اليشكري ثقة، فانتفى هذا التعليل من أصله، لأن الانقطاع على قسمين:

1ـ انقطاع مقبول.

2ـ انقطاع مردود.

ومتى يكون الانقطاع مردود، ويتوقف فيه؟

إذا لم تُعْرف الواسطة المُسْقَطة، أما إذا عُلِمت الواسطة المُسْقَطة فيُنْظرُ فيها، فإن كان هذا الواسطة ثقة أصبح هذا الانقطاع لا يُؤثر.

فمثلا ً: حُمَيْد الطويل، روايته عن أنس مقبولة على الإطلاق، لأن الواسطة معلومة، وإن كان حُمَيْد وُصف ومُسَّ بالتدليس، إلا أن الواسطة معلومة، ألا وهي ثابت البُناني كما ذكر ذلك الحفاظ (4) ، وثابت رأس في الحفظ والإتقان، إذًا من توقف في حديث حُمَيْد الطويل فقد أخطأ.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت