ـ [أبو مروان] ــــــــ [27 - Jan-2010, مساء 05:04] ـ
هل ثبت في علم الحديث أن امرأة اعتمد قولها في التعديل والتجريح؟ وإن لم يكن فما السبب. ووفقكم الله
ـ [ابوعبدالله مصطفى] ــــــــ [27 - Jan-2010, مساء 10:55] ـ
مشروعية تعديل النساء وتجريحهن:
انقسم العلماء في ذلك إلى قسمين:
1 -القسم الأول: يرى عدم قبول تعديل النساء، لا في الرواية ولا في الشهادة، وقد حكاه أبو بكر الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة (15) ، وهم يمثلون الجانب المتشدد في هذا الموضوع. وتجدر الإشارة إلى أن أبا بكر الباقلاني يقبل تزكية المرأة مطلقًا في الرواية (16) .
2 -القسم الثاني: وهو الجمهور; يرى أن يقبل تعديل المرأة والعبد العارفين (17) ، فكما تقبل روايتها تقبل تزكيتها، وهذه مسائل فقهية كما يقول الغزالي ثبتت بالمقاييس الشبيهة (18) ، ولا شيء يمنع من ذلك من إجماعٍ أو غيره، على ملحظ أبي بكر الباقلاني (19) .
أدلة مشروعية تعديل المرأة وتجريحها:
-قصة الإفك وتعديل النساء:
إن واقعة الإفك التي نزل فيها القرآن الكريم تبرئة لأم المؤمنين عائشة، احتوت إشارات بليغة في بيان مشروعية تعديل النساء وتجريحهن، إذ لما خاض المنافقون في الكلام على أم المؤمنين ومكث النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا لا يوحى إليه، أشار علي بن أبي طالب على النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال جارية عائشة بريرة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بريرة وقال لها: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ فقالت: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرًا قط أغمصه (20) ، غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله (21) .
ففي السؤال ما يبين أن بريرة مطالبة بالإخبار عن شيء زائد غير معلوم، ثم قد تحقق أنها أهل لهذه الشهادة لقول علي رضي الله عنه: اسأل الجارية تصدقك (22) .
والتوجه نحو بريرة أيضًا لأنها عارفة بأحوال عائشة، فقد تحقق إذًا في بريرة شرطا العدالة والمعرفة بحال المراد تعديله أو تجريحه. وعلى هذا إخبارها بما تعلم معتبر ومعتمد.
-ثم إنه صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش بقوله: (ماذا علمت أو رأيت؟) فأجابته مزكية لعائشة: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرًا .. (23) .
فسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم عن حال عائشة، وجواب بريرة وزينب، واعتماد النبي صلى الله عليه وسلم قولهما حتى خطب واستعذرصلى الله عليه وسلم من عبد الله بن أبي، ففي مجموع ذلك ما يفيد جواز تعديل النساء، ثم إن إشارة علي على النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن تعديل النساء لم يكن أمرًا مستنكرًا، بل كان جاريًا ومستفيضًا طالما تحقق شرط العدالة والمعرفة بأحوال من يراد تعديله أو جرحه.
-وقد أورد البخاري هذه القصة تحت أبواب متعددة منها باب: تعديل النساء بعضهن بعضًا (24) .. وقال ابن حجر (25) في بيان الترجمة: ولعل الترجمة توحي بأن الجواز مقتصر على تعديل النساء لبعضهن لا للرجال، وهذا غير وارد، إذ نقل بعد ذلك: أن الجمهور على جواز قبولهن مع الرجال فيما تجوز شهادتهن فيه (26) ، ولما كان الأمر متعلقًا بالرواية ولا تعلق له بالأموال والأرواح جاز التعديل ولو أتى من واحدة منفردة.
-وفي قبول تعديل المرأة، عقد الخطيب البغدادي بابًا ترجم له هكذا: (ما جاء في كون المعدل امرأة) ؛ مبينًا أن أصل هذا الباب سؤال النبي صلى الله عليه وسلم بريرة في قصة الإفك (27) .
الجرح والتعديل بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين:
قبل الكلام على هذا، يجدر التنبيه أننا وإن أطلقنا اللفظ الاصطلاحي لفن الجرح والتعديل في عصر الصحابة، فلا بد من الاحتراز في قضية العدالة لدى هؤلاء الصحب الكرام، إذ الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، لتعديل الله تعالى لهم، وكان الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة أو بواسطة صحابي آخر، فعن البراء قال: (ليس كلنا كان يسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن كان الناس لم يكونوا يكذبون فيحدث الشاهد الغائب) (28) فلم يجدوا غضاضة في السماع من صحابي آخر ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان أحد يشك في الآخر أو يتهمه. فعن أنس رضي الله عنه: أنه حدّث بحديث، فقال له رجل: (أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم)
(يُتْبَعُ)