فهرس الكتاب

الصفحة 15412 من 27809

ـ [أبو الفداء] ــــــــ [15 - Aug-2008, مساء 11:21] ـ

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،

أما بعد

فكثيرا ما تقرأ في كلام أهل الأصول المتأخرين الكلام عن إشكال محدث بين ما يسمونه بفقه المقاصد، وما يسمونه بفقه النصوص، أو"ظاهر النصوص"! وهذا الإشكال في الحقيقة لا يقع إلا عند من قصر تصوره عن شمولية هذا الدين المحكم المتين، وساء تصوره إما لبعض الجزئيات وأدلتها، وإما للكليات التي تدخل تلك الفروع أو المسائل الفرعية تحتها!

صحيح أن القواعد العامة المتفق عليها قد تعين على فهم وتوجيه كثير من النصوص، إلا أن هذا محكوم في الأخير بفهم السلف لتلك القواعد ولتلك النصوص نفسها .. وهو الفهم الذي منه - بالأساس - يكون تخريج القواعد العامة والكليات، وإلا فلو أزلنا قيد فهم السلف لوقع اختلاف وتخبط شديد لا أول له ولا آخر! يضع كل متفقه لنفسه قواعد وشروط يوجه عليها النصوص، فلا تراه إلا يحرف الكلم عن مواضعه ولا حول ولا قوة إلا بالله!

وفي الحقيقة فإنه يجب أن يكون جليا في تصور الباحث المدقق أنه في النهاية مجتهد، وأن المجتهد الباحث عن حكم الله في مسألة من المسائل، لا يرجع إلى الكليات العامة لاستنباط الحكم الا إذا عدم النصوص والتخريجات الفقهية على المسألة بعينها في كلام من سلف من أئمة الدين! وحينئذ يكون سبيله القياس والتفريع على الأصول العامة على نحو ما هو مبسوط في كتب الأصوليين.

ولكن العجيب والذي لا نرى له تسمية إلا أن نعده من مقابلة النص بالاجتهاد، أنك ترى بعض الفقهاء المتأخرين يتوسعون في قواعد المصلحة المرسلة واتباع ما أسموه بالمقاصد وكذا، حتى يردوا باعتمادهم على تلك القواعد العامة، كثيرا من النصوص الخاصة التي طالما حكم بها أهل العلم والفقه في المسائل الفرعية كل مسألة بعينها! وأعجب من ذلك كلام بعضهم فيما يكون عليه العمل إذا ما وقع"تعارض"بين أقوال الفقهاء باتباع النص في مسألة فرعية وبين ما اجتمع عند أهل الأصول من قواعد عامة ومقاصد متفق عليها! فبعضهم تراه يرجح مذهبا في مسألة من المسائل ربما يخالف به إجماع الأمة ولا يبالي، بحجة أن أقوال السلف في تلك المسألة قد خالفت أو بالأحرى"أغفلت"مقاصد قد انتبه هو إليها وغفلوا هم عنها!!

وهذا وأيم الله من أعجب العجب!

هذه المقاصد من أين استقرأتموها أصلا يا أصحاب الأصول ان لم يكن من فهم السلف وأحكام السلف رضي الله عنهم في جملة كبيرة من المسائل الفقهية، بناءً على جملة كبيرة من النصوص في الكتاب والسنة والإجماعات المتواترة؟؟ وإن خرجت مسألة رأيتم حكم المتقدمين فيها - وأقوالهم التي نقلت إلينا هي إجماع على بطلان ما يخالفها في ذات الأمر، وهذه مسألة ليس ههنا باب البسط فيها - خارجا عن تصوركم للمقصد أو المصلحة الشرعية فأين يكون الخلل؟؟ إن قلنا أنه وقع فيهم إذ غاب عنهم ذلك القول الذي أحدثتموه، فقد اتهمهم أئمة المسلمين جميعا في جميع ما تقدم من العصور قبلكم بالضلالة وهذا ممتنع ويهدم قوله تعالى (( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ) )الآية، وقوله عليه السلام"ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن" (لا ما رآه المجتهد الواحد منهم، والفرق دقيق) وغيرها من أدلة حجية الإجماع، وامتناع وقوعه في أي زمان من الأزمنة على ضلالة! فلا يبقى إلا أن يكون الفساد في تصور هذا الباحث المتأخر الذي غره الشيطان وسول له سوء عمله!

فالواقع أنه لا يعقل أن تتعارض قاعدة كلية أو مقصد عام من مقاصد الدين - من الستة أو من غيرها - مع حكم جزئي أجمع عليه السلف، أو ألا يكون في جملة أقوال السلف في إحدى المسائل الخلافية ما يتمشى مع قاعدة كلية عامة من المقاصد العامة، إلا أن يكون سبب ذلك فساد في اجتهاد المجتهد ونظره، وتخريجه للعلة والمقصد الشرعي في تلك المسألة الفرعية!

ومن هنا تكون مراجعتنا لكلام أصحاب المقاصد من باب إلزامهم بإعادة ضبط فهمهم للمسائل على فهم السلف رضي الله عنهم والانتهاء عن الزعم بأن هناك تعارضا بين بعض أحكام الفروع وبين بعض المقاصد الشرعية العامة!!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت