ـ [الحُميدي] ــــــــ [12 - Oct-2010, صباحًا 02:16] ـ
عَقَدُوا عَنِ الحَرَامِ مَآزِرَهُم .. ، (عَفافُ العُلَماءِ)
بسم الله الرحمن الرحيم:
هُم أناسٌ عَقَدُوا عن الحرام مآزِرَهم، وأوْرَثَهُم العلمُ عفافًا آزَرَهم، فأطلقوها كلماتٍ عنهم رُويِتَ، وسَطَّروها عباراتٍ عنهم حُفظت، شاهدةً على نقاوة وطهارة مَعْدِن الشَّرَف، وعلى أنهم أشرفوا من العِفَّة على أعلى الشُّرَف، فتلفَّعتْ ببياض التصوُّنِ أعراضُهم، وكان عن مُوَاقَعَة الحرام غايةُ إعراضِهم، ودالَّةً على شيوعِ الفُحْش في زمنهم ويُسْرِ السبيل إليه، وعلى الرُّغم من ذلك لم يتلوَّثوا بعفنِهِ، ولم يتلطَّخوا بنتَنَهِ، لا يحجُزُهم عن مُقَارَفة ذاك الجُرمِ إلا خشيةُ الله تعالى، ورجاءُ ما عندَه سبحانه من حسنِ العاقبة والجزاء. فكانت السلامة من سلوك ذاك السبيل- أي الزنا- وساما ونيشانا، ولصاحبها رِفعة وشانا، فأعْظِم بها من منقبة، وأكْرِم بها من محمدة، أفصحوا عنها اعتزازا وفَخْرًا، ومزجوها حياءً وطُهرًا، وكان الباعثُ على جمعها: نار عُزُوبة تلظَّيْتُ بأوارها، ولا زال لموقدها اضطرام، فأجد نفسي تَجْمَحُ لإطفاء تلك الجذوة، فيحول بيني وبين ذلك ما منع أولئك الأئمة الأطهار -رحمهم الله- دون ركوب ذاك المركب، ورأيتُ في تلك الأقوال من الحثِّ على العفة وحفظ الشرف، ما خفَّف عني وقْع عواصف الشهوة، وسلا قلبي عن شدائد الصَّبوة، فكانت مَسْلاة القلب، وعُلالة النفس، بل كانت المُنى والمراد، حتى أنال شرف الإنحياش ضمن تلك الكواكب الزاهرة، وأقول كلمتهم التي قالوها، و أُرَدِّدَها بعد أن سطَّروها، فيكتب اسمي في ذيول أسمائهم، ويكون لي موضعُ قدمٍ في دَوْحِ الطهر والعفاف الذي تفيؤوا منه بظل وارف، وسقوا في خلاله من أعذب المراشف.
فلي ولأمثالي فيهم قُدوة -رحمهم الله ورضي عنهم-، وإني مُوردٌ لك من أقوالهم وشهاداتهم ما تكتحل به العين، وينثلج له الصدر، وأول من يُختطُّ اسمه في هذا الباب، هو:
مفخرة الإسلام، وزينة الأيام، الإمام ابن حزم الأندلسي الظاهري -رحمه الله ورضي عنه-، إذ نشْر مقولته فاح وتضوَّع، وبلغ شذاه كل محفِل ومجمع، وذاك حين قال:".. ، ومع هذا يعلم الله -وكفى به عليما- أني بريء الساحة، سليم الأديم، صحيح البَشْرة، نقي الحُجزة، وإني أقسم بالله أجلَّ الأقسام أني ما حللتُ مِئزري على فرج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ عقلتُ إلى يومي هذا، والله المحمود على ذلك، والمشكور فيما مضى، والمستعصم فيما بقي" ( [1] ( http://majles.alukah.net/#_ftn1 ) ) .
وليس مكمن الإعجاب في بثِّ براءته، بل في عُلوِّ تعبيره و براعته، حيث انتقى أبلغ الألفاظ وأوضحها، مع سلاسة نظمها، وجمال سبْكها، فشفَّتْ عن بهاء ونُضرة، أغرت الفتى الوامقَ بنَظرة، وهذا ليس غريبا من جاحظ الأندلس -رحمات ربي عليه-.
ثم نأتي لعَلَمِ ثانٍِ لم يُحفظ من كلامه إلا تبرئة شرفه من الدَّنَس، وهو: المحدث أبو زكرياء يحيى بن محمد الدِّبثْاَئي-رحمه الله-، وذاك حيث روى عنه الحافظ الخطيب البغدادي -رحمه الله- براءته، فقال:"قال لي الأزهري: سمعت جدي أبا زكريا يحيى بن محمد الدِّبْثائي يقول: ما رفعت ذيلي على حرام قط". ( [2] ( http://majles.alukah.net/#_ftn2 ) )
فالبنظر في نص براءة الثاني ومقارنتها بنص براءة الأول، يلوح أن كلام الدِّبْثائي أدخلُ في باب التعريض والتلويح من كلام الإمام ابنِ حزم، الذي كان صريحا مُفصحا عن قصده غاية الإفصاح، وصنيع الدِّبْثائي هو الأليق بهذا المقام، إلا أن اللوم يُدْرأ عن الإمام ابنِ حزم إذا علمنا سياق كلامه، بخلاف كلام الدِّبْثائي الذي نجهل باعثَه، فالإمام ابنُ حزم ذكر من شأنه مع النساء- أيام صِباه وفُتوته- أنه كان كثير المخالطة لهن، شديد الاطلاع على خفاياهن، كما أنهن كُنُّ يكاشفنه من أسرارهن ومكونانتهن ما رأى كتمه وعدم البوح به، وكذا إخباره عن نفسه أنه أحب وعشق وغير ذلك، مما يأخذ بظنون الناظرين إلى مهامه وسباسب لا يظفر منها سالكُها إلا بالحيرة والسدَر، فأتتْ براءة الإمام -رحمه الله- تزيل هذا الوارد الذي قد يَرِد، وتُذهب تلك الظنون الآخذة بصاحبها إلى مكمن العطب، فكان التعريض والتلميح في هذا المقام غير مُغنٍ
(يُتْبَعُ)