فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 27809

ـ [ناصر السوهاجي] ــــــــ [11 - Mar-2008, مساء 10:42] ـ

النصر

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}

{إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْوَجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوِبَا} .

البسملة تقدم الكلام عليها.

{إذا جاء نصر الله والفتح} الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، {نصر الله} النصر هو تسليط الله الإنسان على عدوه بحيث يتمكن منه ويخذله ويكبته، والنصر أعظم سرور يحصل للعبد في أعماله، لأن المنتصر يجد نشوة عظيمة، وفرحًا وطربًا، لكنه إذا كان بحق فهو خير، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» (234) أي أن عدوه مرعوب منه إذا كان بينه وبينه مسافة شهر، والرعب أشد شيء يفتك بالعدو، لأن من حصل في قلبه الرعب لا يمكن أن يثبت أبدًا، بل سيطير طيران الريح فقوله: {إذا جاء نصر الله} أي نصر الله إياك على عدوك {والفتح} معطوف على النصر، وعطفه على النصر مع أن الفتح من النصر تنويه بشأنه، وهو من باب عطف الخاص على العام، كقوله تعالى: {تنزل الملائكة والروح فيها} [القدر: 4] . أي في ليلة القدر فجبريل من الملائكة وخصه لشرفه، و (ال) في الفتح للعهد الذهني، أي: الفتح المعهود المعروف في أذهانكم، وهو فتح مكة، وكان فتح مكة في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وسببه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما صالح قريشًا في الحديبية في السنة السادسة ـ الصلح المشهور ـ نقضت قريش العهد فغزاهم النبي صلى الله عليه وسلّم وخرج إليهم من المدينة بنحو عشرة آلاف مقاتل خرج مختفيًا وقال: «اللهم عمي أخبارنا عنهم» (235) فلم يفاجأهم إلا وهو محيط بهم ودخل مكة في العشرين من رمضان، من السنة الثامنة للهجرة، مظفرًا منصورًا مؤيدًا، حتى إنه في النهاية اجتمع إليه كفار قريش حول الكعبة فوقف على الباب وقريش تحته ينتظرون ما يفعل، فأخذ بعضادتي الباب وقال: يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ وهو الذي كان قبل ثمان سنوات هاربًا منهم وصاروا الآن في قبضته وتحت تصرفه، قال: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لأخوته {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم} [يوسف: 92] . اذهبوا فأنتم الطلقاء (236) ، فعفى عنهم عليه الصلاة والسلام، هذا الفتح سماه الله فتحًا مبينًا، فقال تعالى: {إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا} [الفتح: 1] أي بينًا عظيمًا واضحًا، ولما حصل عرف الناس جميعًا أن العاقبة لمحمد صلى الله عليه وسلّم وأن دور قريش واتباعها قد انقضى فصار الناس {يدخلون في دين الله أفواجًا} أي جماعات بعد أن كانوا يدخلون فيه أفرادًا، ولا يدخل فيه الإنسان في بعض الأحوال إلا مختفيًا، وصاروا يدخلون في دين الله أفواجًا، وصارت الوفود ترد على النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة من كل جانب حتى سمي العام التاسع (عام الوفود) يقول الله عز وجل إذا رأيت هذه العلامة {فسبح بحمد ربك واستغفره} كان المتوقع أن يكون الجواب فاشكر الله على هذه النعمة واحمد الله عليها ولكن {فسبح بحمد ربك واستغفره} وهذا نظير قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلًا. فاصبر لحكم ربك} [الإنسان: 23، 24] . كان المتوقع فاشكر ربك على هذا التنزيل وقم بحقه، ولكن قال: {فاصبر لحكم ربك} إيذانًا بأنه سوف ينال أذىً بواسطة إبلاغ هذا القرآن ونشره بين الأمة {فسبح بحمد ربك واستغفره} عند التأمل تتبين الحكمة فالمعنى أنه إذا جاء نصر الله والفتح فقد قرب أجلك وما بقي عليك إلا التسبيح بحمد ربك والاستغفار {فسبح بحمد ربك} أي سبحه تسبيحًا مقرونًا بالحمد. والتسبيح: تنزيه الله تعالى عما لا يليق بجلاله. والحمد: هو الثناء عليه بالكمال مع المحبة والتعظيم. اجمع بين التنزيه وبين الحمد {واستغفره} يعني اسأله المغفرة. فأمره الله تعالى بأمرين:

الأمر الأول: التسبيح المقرون بالحمد.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت