ـ [محمد مليطان] ــــــــ [19 - Jan-2010, صباحًا 05:59] ـ
نشأ المنحى الوظيفي بالمغرب بعد نقل"نظرية النحو الوظيفي"من جامعة أمستردام، كما صاغها سيمون دِكْ ومجموعة من الباحثين زملائه، إلى المغرب في السنوات الأولى من الثمانينات. ولم يكن نقل النظرية إلى المغرب نقلا مجردًا وإنما كان نقلا مرّ بثلاث مراحل: مرحلة الاستنبات ومرحلة التأصيل ومرحلة الإسهام والتطوير.
في المرحلة الأولى أخذت نظرية النحو الوظيفي، حين نقلت إلى المغرب، مكانها بين الاتجاهات اللسانية التي كانت سائدة آنذاك وعلى رأسها الاتجاه البنيوي والاتجاه التوليدي التحويلي بالإضافة إلى الدرس اللغوي العربي القديم نحوه وبلاغته إلى غير ذلك.
ثم انتقل إلى مرحلة التأصيل حيث تمّ ربطُ نظرية النحو الوظيفي بالفكر اللغوي العربي القديم على أساس أن الفكر اللغوي العربي القديم أصل لمنحى وظيفي عربي يمتد بواسطة الدرس اللساني الوظيفي الحديث.
في المرحلة الثالثة شرع الأستاذ الدكتور أحمد المتوكل في الإسهام في تطوير نظرية النحو الوظيفي نفسها.
هذا النقل والاستنبات والتأصيل والتطوير كان في بداية الأمر حكرا على جامعة محمد الخامس بالرباط بالمغرب ثم انتقل منها إلى جامعات أخرى في المغرب ثم إلى بلدان أخرى كالجزائر وتونس وليبيا والمشرق العربي مصر والعراق وسوريا ثم بلدان الخليج العربي حيث تأثر بهذا المنحى وتبناه مجموعة من الباحثين.
بعد أن استتب للمنحى الوظيفي الأمر عزم الأستاذ الدكتور أحمد المتوكل على أن يضع مشروعًا متكاملًا ذا ثلاثة اتجاهات رئيسية كبرى: أولا اللسانيات واللغة العربية، وثانيا اللسانيات وقضايا المجتمع، وثالثا اللسانيات والفكر اللغوي العربي القديم.
في الاتجاه الأول أسس الأستاذ المتوكل مشروعه اللساني على مجموعة من المبادئ منها: مبدأ أن المنهج الوحيد لدراسة اللغة العربية باعتبارها لغة كسائر اللغات البشرية غيرها هو المنهج اللساني الذي لا يعدله منهج آخر. من المبادئ، أيضا، أن أقرب المقاربات إلى وصف ظواهر اللغة وتفسيرها هي المقاربة التي تربط بنية اللغة بوظيفتها التواصلية وتدرس هذه البنية على أساس أنها تابعة لتلك الوظيفة التواصلية إلى حد كبير، وهو الذي تعتمده نظرية النحو الوظيفي. ومن المبادئ التي قام عليها المشروع المتوكلي اللساني أن اللغة العربية تخضع لما تخضع إليه اللغات الأخرى من مناهج. مهما خصّت خصائصُها فهي تبقى لغة بشرية كسائر اللغات الأخرى وينطبق عليها من المناهج ما ينطبق على اللغات الطبيعية بوجه عام.
يهدف مشروع الأستاذ المتوكل إلى دراسة اللغة العربية صرفًا وتركيبًا ودلالةً وتداولًا من نفس المنظور، أي ترابط البنية بالوظيفة، وتنميط اللغة العربية بمقارنتها مع غيرها من اللغات، ودراسة تطورها.
وضع الأستاذ أحمد المتوكل نحوًا وظيفيًا متكاملًا للغة العربية، ودرس علاقة اللغة العربية - من نفس المنظور- بلغات أخرى، ووصل إلى تنميط يميّز بين فئتين كبريين من اللغات، اللغات المؤسسة تداوليًا واللغات المؤسسة دلاليًا، ويعني باللغات المؤسسة تداوليا -وإليها تنتمي اللغة العربية- اللغات التي تُغلّب المستوى التداولي على المستويين الدلالي والصرفي-التركيبي. وبالنسبة للدراسة التطورية للغة العربية أثبت الأستاذ المتوكل أن اللغة العربية تنزع إلى الانتقال عن طريق دوارجها من الفئة الأولى - فئة اللغات المغلِّبة للتداول على الدلالة - إلى فئة اللغات المغلِّبة للدلالة، وأوضح أن اللغات العربية الدوارج الآن لم تعد تحرّر الرتبة للدلالة على الوظائف التداولية؛ لأنها فقدت الإعراب وأصبحت الرتبة هي الدالة على الوظائف التركيبية.
(يُتْبَعُ)