فهرس الكتاب

الصفحة 23587 من 27809

ـ [خزانة الأدب] ــــــــ [20 - Oct-2010, مساء 04:05] ـ

كلمة الأستاذ محمود محمد شاكر في استقبال المجمع

(ليست في مجموع مقالاته)

الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا. وصلى الله على النبي الأمي الذي أرسله بلسان عربي مبين ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. اللهم صَلِّ على محمد وعلى أبويه إبراهيم وإسماعيل وعلى سائر النبيين وسلم تسليما كثيرا. وبعد, فقد وقعت فجأة في الحرج والحيرة ولا حول ولا قوة إلا بالله. فأنتم أيها الرجال الأجلاء, غير عامدين ولا متواطئين, أخذتموني على غرة، وقذفتم بي في الموج ذي التيار والزبد, وقلتم لي: اسبح وما أنا بسابح. وأنى لمثلي أن يسبح وقد عاش حبيسا. مغمورا أكثر من أربعين سنة, بين جدران من العزلة قد ضربتها على نفسي, وبين رفوف كالتوابيت من حولي, فيها رجال"صموت"لا ينطقون ولا يتحركون إلا أن آذن لهم. وإذني لهم: أن أمد يدي إلى أحدهم ضارعا مستميحا, أسأله أن يتفضل علي بشيء من معروف يزيل شكي, أو يرد عني حيرتي أو يحي مواتا في نفسي أو يرفع غشاوة غطت على بصري, أو يجلو صدأ ران على بصيرتي, ويتمادى الأمر بيني وبينه شيئا فشيئا, فأحاوره ويحاورني, وأجاذبه أطراف الحديث ويجاذبني, حتى إذا بلغ مني الجهد, طويت ما بيني وبينه, ورددته إلى تابوته وإلى صمته محفوفا بالتكريم والشكر.

وكلانا في خلال ذلك وادع مطمئن, فلا هو يملك - بحسن سجيته أن يعنف بي, ولا أنا أرضى -لكرامته علي- أن أعنف به. عاشرتهم جميعا, وكلانا راض عن أخيه, والأمر بيني وبينهم سهو, وهو رخاء, وهم يستجيبون لي لأنهم أهل السخاء والكرم, وأنا أقصدهم وأعتفيهم, لأني أنا الفقير إليهم. لقد ألفت ذلك أكثر من أربعين سنة, أن أعيش وحيدا معتزلا هادئا, بين جدران عزلتي وانفرادي, وبين توابيت أصحابي وإخواني, في شئون تجري بيني وبينهم محدودة بما حددته, من إزالة شك أو رد حيرة, أو إحياء موات, أو رفع غشاوة أو جلاء صدأ. وكل ما عندي من العلم محدود أيضا بهذه الحدود.

فحين أخذتموني, فجأة وعلى غرة, وقلتم: منذ اليوم, أنت بيننا كأحدنا, عضو في مجمع اللغة العربية, وخلف للسلف العظيم الدكتور أحمد بدوي, إنما أخذتموني من مكمني بلا رحمة, غير عامدين ولا متواطئين وألقيتم بي في حومة الحرج والحيرة. نزعتم عني لباسي القديم الذي ألفته وألفني من الوحدة والعزلة والهدوء والصمت, وما كدتم تفعلون حتى كستني المفأجاة لباسا غريبا من الخوف والرهبة والضياع واللجلجة. ماذا أقول لكم؟ لقد كرمتموني تكريما يعجز لساني عن المكافأة ولكنكم أيضا قد روعتموني ترويعا يطلق لساني بالشكوى منكم. فإلى من أشكوكم؟ فإنما شكواي منكم هي شكواي إليكم. فأنا أسألكم الإنصاف, وأربأ بكم عن قلة الإنصاف.

فلم تزل قلة الإنصاف قاطعة * بين الرجال, ولو كانوا ذوي رحم

غفر الله لي ولكم. وأول حرج وقعت فيه أن أجد نفسي مطالبا بالحديث عن السلف العظيم الدكتور أحمد بدوي رحمه الله, وكانت قد نشبت بيني وبينه محبة ومودة وصداقة, وأنا خلقت هكذا, لا أستطيع أن أكتب شيئا عن صاحب أو صديق اخترمته المنية, يعجز لساني, وتأخذني رهبة, وأجدني كأني مقبل على ظلمه لو تحدثت عنه, وهذا حرج علي شديد. وحرج آخر هو أن الدكتور بدوي عالم آثاري مشهود له, عارف بلغة البرابي القديمة, أي المعابد والآثار العتيقة المنتشرة في أرجاء مصر شمالها وجنوبها, وهي لغة مكتوبة بالقلم الهيروغليفي، وأما أنا فعلمي كله محدود بلسان العرب وبالعلم العربي, فغير مستساغ من مثلي أن يقول شيئا في أمر يجهله. وإذا قلت شيئا, فكل ما أستطيعه لن يخرج عن ترديد ما قاله من قبلي العارفون بقدرة في العلم الذي يحسنه ولا أحسن أنا شيئا منه. ومنذ أيام قليلة قرأت ما كتبه أستاذنا الدكتور محمد مهدي علام في التعريف به, في كتاب مجمع اللغة العربية في ثلاثين عاما, ثم ما قاله الأستاذ الجليل محمد شفيق غربال في استقباله في مجمع اللغة في الجلسة العاشرة للمؤتمر, في 25/ 1/1960 في الدورة السادسة والعشرين، ثم ما قاله الدكتور الدكتور البدوي نفسه بعد انتخابه عضوا في المجمع في الدورة المذكورة آنفا. وما أنا بمستطيع أن أزيد على هذا شيئا يقال.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت