ـ [أبو الحسن النجدي] ــــــــ [16 - Oct-2010, مساء 08:06] ـ
عزيزي القارئ ...
إن لم تكن على ثقافة عالية ...
فقراءتك لهذا المقال ...
تضيع وقتك الثمين ... !!!
بناء المعارف
1 -الرباني: هو الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره.
هذه المقولة الأثرية الشهيرة، و هي عباسية النسب، تمثل لنا السبيل المنطقي لبناء المعارف و هي ضم الصغير إلى الصغير حتى يتكون الكبير ...
سبحان الله ... وَقعُ الحوافر على الحوافر موجود في كل ميدان و كل زمان ... و على مختلف العقائد و المنطلقات ... فمقولة ابن عباس يدل على مقصدها ما ذكره الأرجنتيني الشهير (روجيه سنتيانو) حيث قال: فلسفة البناء المعرفي كالتخطيط الهندسي،
بقدر ما تتروى في عملك ... تفرح بالمنزل المريح.
و كما يقال: من كبر اللقمة ... غص.
فاحرص يا بني قبل أن تلتهم الوليمة العلمية (الجامعية) أن تمضغ شيئًا من مبادئ العلوم التي تود دراستها ... و إلا فإن البيت الذي تود بناءه لن تستطيع أن تدخله ...
لأنه لن يكون بناءٌ أصلا!!
2 -إياك من فرط الحماسة، و سرعة الحكم على شيء بصعوبة أو سهولة، فقد تفاجأ فيما بعد بالصعب أنه غاية في السهولة، و قد تفاجأ بأن السهل المزعوم هو أعسر ما يكون،
و مثله: الانبهار و الإعجاب المفرط، و كذلك الاحتقار المحرق.
كل هذه معاول هدم لكنها للأسف (تشتغل على الصامت!) فتهدمك و أنت لا تشعر.
و ما أجمل ما قال الإسباني: أَرِنْست همنجواي(روائي مشهور حصل على جائزة اللوتييه السويدية
في القرن التاسع عشر بسبب روايته العالمية وداعا ماركو و التي صارت فيلما كارتونيا فيما بعد يعرض بعد الدبلجة على القناة الأولى السعودية)
يقول: الانبهار انفجار وجداني ربما فقدت السيطرة عليه حتى يتعدى إلى محل العقل فيتغطى العقل بظل زيف المظهر، و سطحية النظر، فيفوت كثير من منجزات العلم تحت هذا الداء المتفشي.
3 -ربما أكون أثقلت عليك بالكلام ... لكن تحمل فقد صرت كبيرًا!
(صرت كبيرًا!!)
بالمناسبة هذه الكلمة يقولها مدرس الابتدائية ليحث التلاميذ على الأدب و السلوك الحسن، و يفاجأ طالب المتوسطة بمعلمه يقنعه أن مدرس الابتدائية كان متعجلا في ذلك الحكم، و إنما الكبير من كان في المتوسطة، ومثله في الثانوية ...
لا تتفاجأ عزيزي الجامعي حينما يقول لك الدكتور: هيه أنت (خلاص) ... لقد صرت كبيرًا.
4 -ذكر روجاردو البرازيلي حوارًا جميلا في كتابه (حكم بالإعدام)
فقال:
سأل أحد المثقفين صاحبه البَنَّاء متفلسفًا: ما أهم عوامل البناء؟
فقال: أهم العوامل كسر المعاول!
كلام سليم ... اكسر كل ما يكون سببًا لفشلك ...
معرفة الشر لا تقل أهمية عن معرفة الخير، بل إن كثيرا من الناس يقتل من جهة جهله بمقاتله التي لم يعرفها حتى يُلبسها (لبوس داود) .
5 -في نظري أن من المعاول الفولاذية في هدم بنايات المعارف أمران:
أ: أن يبقى الأخ الفاضل يسأل كل من لقيه: ما هي المنهجية في طلب العلم؟ ... فيعطيه كلٌ من كيسه و لم يعلم الطالب أن:
من المنهجية عدم الإغراق في طلب المنهجية
(بل عجل في السير و المنهجية تتبين مع الزمن)
إنه يبقى حتى يتخرج من الجامعة و هو يسأل عن المنهجية
و يكون حينها مؤهلا لتدريس مادة المنهجية برتبة معيد ...
لكن في جامعة الفشل التي في ذهنه.
ب: عدم إحسان الاقتداء بمن يستحق الاقتداء ...
حتى يُفهم القصد: لو أنك أعجبت بمنزل فلا يحسن أن تقلده في كل شيء حتى في نوع بلاط الحمام!.
لأنك حينها ستغرق شخصيتك العلمية في شخصية المقتدى به، و في أحسن الأحوال ستكون نسخةً مصورة أقلَّ قيمة من الأصلية على كل حال.
هذان مثالان و عليهما يقاس ... وكلٌ عليه البحث و الحذر من مكائد العدو الهدام.
6 -إن البحث و التحري سيما كل من يبتغي التميز ...
كن قارئا و تعَوَّد أن تتحقق من كل ما يقال و يدعى ...
قال فلان قولا ... عد إلى حيث أخذ القول، واسأل عن مرجعه الذي اقتبس منه حتى لا تقع في فخاخ كثير من المتفلسفين (الفقاشين) ، فمع الوقت تكون هذه شخصية لك حتى في اتخاذ قرارك العلمي تكون متأنيا لا تقول إلا ما تحققت من صحته و سلامته
و حينها صدقني ... سيكون رأيك ثمينا ... بل ثمينا جدا.
7 -ما موقفك مما كتبت في الفقرات الست الماضية:
ربما ستقول: هكذا الثقافة و الإفادة جزاه الله خيرًا من فاهم بليغ ... فأقول لمن هو من هذا النوع:
عفوًا أخي راجع ما كتب أعلى المقال!
وبعضهم سيقوم و يتحقق من صواب ما كتب و حينها سيستخلص ما يلي:
1: الحرص على الاستعداد قبل أكل الوليمة الدسمة بتهيئة معدة العقل بما يجعله مهيئا.
2: لا بأس أن أتأنى في الأحكام العينية إلى وقت لاحق ... و لا مانع من الاستفادة من أي شخص، و لايلزم أن يكون من الطبقة المبهرة للعقل فكم ضاع الكثير بتجاهل كثير ممن لا يراهم الناس شيئا عظيمًا
(هناك من يرى الاستفادة فرعًا عن الانبهار)
3: بقدر الحرص على عوامل البناء ... احذر معاول الهدم.
4: البحث و التحقيق عامل بناء نشيط يعينك في زيادة جودة بنايتك العلمية بل و بشكل جذاب.
5: سيستفيد المحقق العلمي أن كاتب المقال أراد امتحان القارئ
هل استفاد من الفائدة السابقة رقم (4) أم لا؟
حينها سيعلم أن (روجيه سنتيانو) خرافة لا وجود له.
و أن أرنست همنجواي لم يؤلف وداعا ماركو
و أن روجاردو هو (حليب توه نازل في السوق!!!) .
(ابتسامة)
لا يعني هذا أن تحرق الفوائد السابقة جميعا بسبب الفائدة الخامسة ...
فأسلوب الحرق هذا
ليس فولاذيا و حسب بل هو فولاذ ألماسي.
تحياتي الحارة:
محبكم
أبو الحسن