فهرس الكتاب

الصفحة 25549 من 27809

ويتامل القلب شجرة تلعب بها الرياح على شاطئ بحر , والبحر من خلفها على امتداد الافق يموج كانما هو بساط سحرى حريرى , ثم يرغى ويزبد ويرتطم بشاطئ صخرى كانما اغضبته الصخور بما لا نعرف , والبحر فيه ما فيه من جمال غير محدود , مع رهبة كانما صيغت من الغموض

ويتأمل القلب , رقة النسيم , وتراكم السحاب , وقطرات المطر , وروعة التكوين في الحيوان , وفى الحياة بربيعها وخريفها وشتائها , فيرى لمحات الجمال في كل شئ 0

ومن خلف ذلك جمال المشاعر , في عطف الام, واعجب منه عطف الام في العجماوات , وهى تداعب ذلك الصغير الذى يمرق من بين قدميها ويتواثب حولها في سعادة نادرة , وهو يشعر بالأمان يلف جوانب الحياة 0

ويرى الإنسان , جمال المشاعر من صديق يؤثر على نفسه , ويلين عند الشدة ويعطيك النصيحة ,ولو كانت مرة لا توافق النفس 0

ثم في النفس تلك المشاعر الجميلة التى تبحث عن الشريك الغائب والذى يعطيك من نفسه وروحه , ويشتريك على ضعف فيك , وخلو من الزينة , وهو بك معجب كأنك نفسه , وفيه من الود والسكينة ما فيه , فأنت له كأب يحنو على ابنة مدللة , وهى لك ام عقلها في ذاك الرضيع بين يديها0

ويرى القلب جمال المشاعر في عطف الاخوة , وحنان الاب , ولوعه الابناء , فيرى هذه المشاعر تغلف الكون والاشياء , فيوقن انها من اثار رحمة الله , فينحاز اليه عن يقين0

ويرى القلب القبح في خلاعة المدينة الحديثة , ومنطقها الاعوج , وتبجحها بالرذيلة , والخطاب المفتوح للشهوة الحيوانية , ومواكب الاجساد العارية والأخلاق العارية , والأفكار الضائعة , وهذه الرائحة التى يفوح منها شبق الجسد , وانطلاق الشهوة النفسية بلا ضوابط 0

فيرى هذا التحطم والانهيار والبؤس والشقاء , شقاء لا تغنى عنه وفرة المادة , ولاجموح اللذة , ولاانعكاسات الرفاهية في الخدود الناضرة , ونعومه الملبس وتأنقه , لأن في القلب شره وتكالب على المتاع , وفيه ما فيه من حقد وحسرة وضياع 0

فيرى القبح ماثلًا في كل هذا 0

وما رغبة النفس الصحيحة في ذلك وان رغبتها , ولكن النفس تفسد اولا وتنهار, ثم لا يكون منها بعد ذلك , الا الخضوع والهبوط والانكسار , فهى واطية وان اعليتها، وقبيحة وان زينتها 0

والانحياز ( http://www.maktoobblog.com/search?s=%D8%AD%D8%AA%D9%85%D9 %8A%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D8%A7%D 9%86%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%B2&button=&gsearch=2&utm_source=related-search-blog-2010-10-16&utm_medium=body-click&utm_campaign=related-search) الى الرسالة هو عصمة من كل هذا لانه انحياز للحق والخير والجمال0

ثم كيف لاينحاز الانسان لخالقه , والوصلة الواصلة بين العبد وربه هو الحب , تلك العبادة المخفية , التى هى منبع العبودية , وسر ترنيمة الازلية , وانه شرف لتتقاصر عنه الهامات , مهما كانت سامقة , ومن الصعب ان يكتب الانسان عما لم يجرب , ولكن ومضه خاطفة , في لحظات الطهر والنقاء , تضئ لك الطريق , عندما ينجذب القلب في سكون الليل فتدركه رعشه علوية , تفيض على القلب شوق عارم , ويذهب بك البكاء كل مذهب , فتدرك انحطاط شأن حياتك بعيدا عنه وسفولها في السافلين , وانها لحياة رخيصة , عندما تعيشها بعيدا عن هذا الحب، ففى هذا الحب رقة غير معهودة , وصفاء غير منتظر , وعزيمة تتقزم بجانبها الصعاب , وجمال دونه كل جمال , فان كان من يخطف الخطفة مثلى , ويسترق السمع يصف من هذا الحال , ما فيه من روعه وجلال , فكيف بمن صعد واستقر واناخ به الرحال 0

وكم راينا على مدار التاريخ عشاقا باعوا انفسهم لقضاياهم التى امنوا بها فهذا امير ارستقراطى من الهند الصينية يترك ثروة اجداده ليقيم ما يؤمن به من العدالة والمساواة , واخر ثائر في احراش كوبا وامريكا اللاتينية لمواجهة الراسمالية العالمية , وكم من فتيات في كل مذهب , خاضوا غمار المعركة ولم تقف بهم طبيعتهم الانثوية , ولم يتعللن بطبيعة الجسد وضعفه , كانهن من ورق اوزجاج , وكل هؤلاء دون ما نحن فيه بكثير, وهم مهما ارتفعوا لا يرتفعون عن تصورات الارض وانما نضرب بهم المثل لنعظ انفسنا ,فلما لا نتحرك من اجل قضية الانحياز ( http://www.maktoobblog.com/search?s=%D8%AD%D8%AA%D9%85%D9 %8A%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D8%A7%D 9%86%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%B2&button=&gsearch=2&utm_source=related-search-blog-2010-10-16&utm_medium=body-click&utm_campaign=related-search) , ولوكان فينا النقص0

واما تاريخ الاسلام , فيمتلئ بهؤلاء المنحازين الى الحق جمله من رجال ونساء , وهم في كل عصر وفى كل جيل , وهم يقلون احيانا ولكن لا ينعدمون " لانه لا تزال طائفة على الحق منصورة"

فلما لا نتحاز , فلعل وثبة على الطريق ترقى بك معراج السماء فيجبر الله كسرنا , ويداوى جراحنا, ويطهر نفوسنا , ويزكينا والله يزكى من يشاء 0

انور الزعيرى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت