فهرس الكتاب

الصفحة 6420 من 27809

ـ [نور السلفية] ــــــــ [19 - Mar-2009, مساء 09:26] ـ

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين بعد أن أثبتنا حجية كل من الكتاب والسنة في باب العقيدة دون تفريق بين الأحاديث المتواترة وأخبار الآحاد من حيث الاستدلال بها، ثم ناقشنا الزاعمين الاكتفاء بالقرآن دون السنة وأبنّا بطلان منهجهم. فجدير بنا أن نتحدث عن منهج السلف في إثبات صفات الله تعالى وأسمائه، وقبل أن نشرع في شرح المنهج وذكر قواعده فلنعرف من هم السلف؟

عندما نطلق كلمة السلف إنما نعني بها من الناحية الاصطلاحية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين حضروا عصره فأخذوا منه هذا الدين مباشرة غضًا طريًا في أصوله وفروعه. كما يدخل في هذا الاصطلاح التابعون لهم الذين ورثوا علمهم قبل أن يطول عليه الأمد، والذين شملتهم شهادة الرسول لهم وثناؤه عليهم بأنهم"خير الناس"حيث يقول صلى الله عليه وسلم:"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"83، كما يشمل الاصطلاح تابعي التابعين.

وهو لفظ مصطلح عليه، وقد ظهر هذا الاصطلاح، واشتهر حين ظهر النزاع ودار حول أصول الدين بين الفرق الكلامية، وحاول الجميع الانتساب إلى السلف وأعلن أن ما هو عليه هو ما كان عليه السلف الصالح، فإذًا لا بد أن تظهر والحالة هذه أسس وقواعد واضحة المعالم وثابتة للاتجاه السلفي حتى لا يلتبس الأمر على كل من يريد الاقتداء بهم، وينسج على منوالهم ويمكن إيجاز تلك القواعد فيما يلي:

القاعدة الأولى: تقديم النقل على العقل:

ولكن تقريرنا بأن النقل مقدم على العقل لا ينبغي أن يفهم منه أن السلف ينكرون العقل والتوصل به إلى المعارف، والتفكير به في خلق السموات والأرض وفي الآيات الكونية الكثيرة لا، ولكنهم لا يسلكون في استعمال العقل الطريقة التي سلكها علماء الكلام في الاستدلال بالعقل وحده في المطالب الإلهية من محاولة الاكتفاء به أحيانًا، لو استطاعوا، أو تقديسه بحيث يقدمونه على كلام الله خالق العقل والعقلاء، وعلى سنة رسوله التي هي وحي الله.

بل إن السلف من منهجهم لا يدعون التعارض بين الدليلين، بل ينفون هذا التعارض الذي يصطنعه علماء الكلام المتأثرون بفلسفة اليونان، علمًا بأن المسلك الذي سلكه علماء الكلام هو في الواقع مسلك الفلاسفة غير الإسلاميين في الأصل الذين لا يثبتون النبوات، ولا يرون أن إرسال الرسل، وما جاءوا به من نصوص الصفات، ونصوص المعاد أنها حقائق ثابتة. فكان أقوى شيء عندهم في الاستدلال على إثبات الأمور"العقل"ما أثبته العقل فهو الثابت، وما نفاه العقل فهو المنفي، فورثوا التركة لعلماء الكلام.

أما المؤمنون الذين يؤمنون بالأنبياء وبالكتب المنزلة عليهم وبما جاء فيها، ويؤمنون أن الرسل كلفوا أن يبينوا للناس ما أنزل إليهم من ربهم: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} 84الآية، المؤمنون الذين يؤمنون هذا الإيمان فلا يجوز لهم أن يعرضوا عما جاءهم من ربهم من الكتاب والحكمة، وعن بيان رسولهم ليلتمسوا الهدى في غيره، ويعتمدوا في إثبات الصفات على عقول الفلاسفة، أو عقول تلامذتهم المتأثرين بهم. ولو وصفوها أنها أدلة عقلية قطعية وبراهين يقينية، وهي في حقيقتها بضاعة غير"إسلامية"وهم يعلمون من أين جاءت، ومتى جاءت، ومن جاء بها، كما أشرنا آنفًا، ثم إنهم نصبوا العداء بينها وبين الوحي، فقد أغنى الله المؤمنين بكتابه المبين وسنة نبيه الأمين عن تكلف المتكلفين، ومن الوقوع في العنت معهم85.

وبالاختصار: إن السلف إنما يقدمون الأدلة النقلية على الأدلة العقلية إيمانًا منهم بأن الله أرسل الرسل، وأنزل عليهم الكتب من عنده، وكلفهم ببيان ما يحتاج إلى البيان"لأمر له شأنه"وهو أن ما جاء في هذه الكتب، وبلغته الرسل يغني عن كل شيء. وأما غيره فلا يغني عنه. هذه النقطة هي"سر المسألة"فلا يسع الخلف إلا اتباع السلف على أساس أنهم أعلم وطريقتهم أحكم وأسلم.

وكل خير في اتباع من سلف

وكل شر في ابتداع من خلف86

ما أصدق مضمون هذا البيت علمًا أن قائله خلفي، وكأنّ الناظم يشير بهذا البيت إلى الحديث الشريف الذي يقول فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام:"كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت