ـ [محب الهدى] ــــــــ [06 - Jan-2010, مساء 08:49] ـ
تعظيم السلف للغة القرآن الكريم
كتبه/ عبد المعطي عبد الغني
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
مكانة اللغة العربية:
اللغة العربية لغة فذة، لا تشبه لغة من اللغات، ولا تشبهها لغة من اللغات، فهي نسيج وحدها؛ فهي اللغة التي علمها اللهُ آدمَ -عليه السلام-، وهي اللغة التي يتخاطب بها أهل الجنة فيما بينهم، وهي اللغة التي نزل بها الوحي الإلهي على قلب سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-.
قال الله -تعالى-: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف:2) ، وقال -تعالى-: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء:193 - 195) ، وقال -تعالى-: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُون) (فصلت:3) .
فاللغة العربية:
هي حاملة الرسالة السماوية، ومبلغة الوحي الإلهي، وناشرة الدين الحنيف وسفيرته إلى العالمين، وفاتحة دعوته، ولسان شعائره، وجامعة الأمة، وآصرة المِلَّة. محفوظة حفظ الوحي المنزَّل بها.
قال -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون) (الحجر:9) .
وهي مُبدِعة الحضارة العربية، وراويتها بين الأجيال، وذاكرتها على مر العصور، وهي لغة الإبداع الأدبي قبل الإسلام، ولغة الأعجاز الإلهي، حمَّلها الإسلامُ رسالتَه العالمية.
شعور السلف بالمسئولية نحوها:
ولما كانت اللغة العربية لغة القرآن الكريم، والحديث الشريف، والتراث الإسلامي شعر السلف بمسئوليتهم وواجبهم نحوها، فبذلوا جهودًا مضنية في تأصيلها وتنقيتها، ووضع قواعدها، وصيانتها من شوائب اللحن والخطأ الذي يذهب بجمالها ورونقها وبهائها.
وقد ظل الأوائل غيورين على اللغة، ذابِّين عن حياضها، معتزين بخصائصها، حريصين كل الحرص على سلامتها وحفظها من الرطانة العجمية واللكنة العامية.
يقول ابن منظور"ت1311هـ"-صاحب"لسان العرب"-، وهو يبين سبب تأليف معجمه:
-"لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية، وضبط فضلها، إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز، والسنة النبوية، وذلك لما رأيت قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنًا مردودًا، وصار النطق بالعربية من المعايب معدودًا، وتنافس الناس في تصانيف الترجمات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنَعْتُه كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون".أ. هـ. من"مقدمة لسان العرب".
هكذا السلف الغُيَّر المخلِصون الذين أقاموا من أنفسهم حراسًا يقظين على اللغة، يذودون عن حماها، ينبهون الناس إلى الخطأ حتى يجتنبوه، ويردوهم إلى الصواب كي يلتزموه.
آثار سلفية في ذم اللحن:
-القرآن الكريم كتاب الله -تعالى-، كتاب العربية الأكبر، وسر خلودها، قد جاءت فيه إشارة إلى استيحاش عدم الفصاحة فيما حكى الله -تعالى- عن نبيه موسى -عليه السلام-: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) (القصص:34) .
-أكد النبي -صلى الله عليه وسلم- تأكيدًا بالغًا على سلامة الكلام من اللحن، حتى عَدَّ اللحن في الكلام ضلالًا، فمما يُروى في ذلك عنه -صلى الله عليه وسلم- أن رجلًا لحن أمامه فقال:"أرشدوا أخاكم فقد ضل" (رواه الحاكم) .
فتأمل الكلمة الزاجرة -فقد ضل- تَعلَمْ الاهتمام بإصلاح اللسان، وفظاعة أمر اللحن في الكلام.
حرص الصحابة على سلامة اللغة:
كان الصحابة -رضي الله عنهم- مهتمين بحفظ لغة القرآن، وصيانتِها من اللحن، حتى إن بعضهم كانوا يعدون الخطأ في اللغة جريمةً يستحق مرتكبها العقاب الصارم الرادع.
-فعن الشعبي -رحمه الله- قال: قال أبو بكر الصديق:"لأن أقرأ فأُسْقِط أحبُّ إليَّ من أن أقرأ فألحن".
-كان عمر يعتبر تعليم اللغة العربية والتعمق في علومها وآدابها مثل التعمق والتفقه في الدين يقول:"أما بعد، فتفقهوا في السنَّة، وتفقهوا في اللغة العربية، فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم".
(يُتْبَعُ)