فهرس الكتاب

الصفحة 24970 من 27809

مناحي التجديد في فكر أبي تمام الطّائي.

ـ [فيلالي الصقر] ــــــــ [02 - Dec-2009, مساء 07:03] ـ

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحْبِه وتابعيه أمّا بعد:

فمقتطفٌ من رسالة الماجستير الخاصّة بي:"الشاعرُ أبو تمام مُثقّفًا ومبدعًا"، أردتُ عرضَها في هذا القسم، ولستُ أدري حقيقةً أمُناسبٌ لمثل هذه القضايا النقدية أم لا؟، طبعًا سيُعينني الإخوة المشرفين على وضعها في مكانها اللاّئقِ بها:

إذا حملنا الإبداع على معناه اللغوي، وهو:"اخترعتُهُ لا على مثال"، فلأبي تمام الحماسة، وهي مجموعٌ شعريٌ سبق الإشارة إلى فضله، ولم يسبق القول على أنّ الطّائي هو أوّل من سمّى الحماسة، فله فضل في تبويب الشعر، إذ لا نرى أحدًا قبله قسّم الشعر هذا التقسيم، فأوّلا كانت حركة الجمع وثانيًا كانت حركة الاختيار فيما اتّفق في النظم، كالمفضليات والأصمعيات وفي النّثر كأمالي القالي، ثمّ جاءت حركة الاختيار المبوّب، ولعلّ فاتحها أبو تمام الطّائي1 ذلك أنّ العادة فشتْ أوّلا في أن يُسمّى الكل باسم الجزء، حتّى في تسمية سور القرآن الكريم، إذ سميت سورة البقرة لآيةٍ فيها في البقرة، وسورة الأنعام كذلك وسورة النحل ... ثمّ فشتْ عادة تسمية شيء بأوّله فسُمّي العَين للخليل لأنّ أوّلَ أبوابه العين، وسمّى أبو تمام ديوانه بالحماسة كذلك2

هذا فيما يخصّ الإبداع بمعنى الإيجاد لا على مثال سابقٍ، وقد جاءت الكتبُ من بعده مقتدية بهذا التّصنيف الذي فَلَقَ لهم الطّائي نَبعه، وقد ذكر صاحب البديع في مجال الصنع لا عن مثال ما يُبرزُ عقْلَ أبي تمّام، لا كشاعر ولا كناقد، ولكن كبصيرٍ بالتّجديد حاذقٌ به، وذلك لمّا قال في كتابه:"وأوّل من سمّى الاستطراد هو أبو تمّام، قال البحتري: أنشدني أبو تمام بيته:-بسيط-"

أيقَنتُ إنْ لم تثَبَّت أنّ حافِرَهُ * مِنْ صَخْرِ تدْمُرَ أو من وجهِ عُثمان3.

ثمّ قال لي: ما هذا الشّعر؟، فقلت: لا أدري؟، قال: هذا المستطرد والاستطراد. يرى أنّه يُريد وصف الفَرس وهو يُريد هجاء عثمان .."4"

إنّ المثالين السّابقين يوضّحان كيف أنّ الشّاعر بصدد وضع المصطلح، ومن المعلوم أنّ ولادة مثل هذه الأفكار الجديدة في زمن مبكّرٍ ليس بالأمر السّهل، وربّما يُمكننا إدراج هذا النوع من الخلق الجديد في النّوع الثّالث من بين الأنواع الأربعة التي سبق الإشارة إليها، وهو النوع الذي تنزع تعريفاته إلى التركيز على الإنتاج الإبداعي، ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه:"ماكينون"الذي يرى أنّ الإنتاج الإبداعي الجيّد إنّما يفي بثلاثة متطلّبات أساسية: الجدّة والملائمة وإمكانية التّطوير5

وأمّا الجدّة فتكمن في الوضع، وأبو تمام هنا يضع مصطلح جديد لأسلوب شعري وُجد أوّل ما وُجد في شعر السّموأل6، وراح الشّاعر يُبدع أنساقًا شعرية من خلاله ولا يرضى إلاّ بوضع اسمٍ خاصٍّ به، وقد جسّد حقيقة"الجدّة"التي أشار إليها ماكينون، وتكمن"الملائمة"من خلال إتباع النقّاد لهذه التّسمية، وذكرها في شتّى مصنّفاتهم النّقدية، فقد رضى النقاد بهذه التّسمية ولم يزيدوا عليها ولم يُنقصوا، بل إنّ تسمية الإستطراد هو الاسم الذي لا يقوم مقامه غيرُه، لذلك وجدنا صاحب العمدة يُفرّق بينه وبين من أخلطه بحسن الخروج7 وربما هذا الخروج هو ما يُدرج ضمن"ملائمة التّطوير"، إذ التمادي في الاستطراد يُخرجُه عن هذا الإسم ولا يُفسده، بل يتطوّر إلى نوعٍ من أنواع البلاغة، محمودٌ الإتيان به في موضعه.

وتسمية الحماسة أظهرُ لهذا المعنى، إذ تجديد أبي تمام لم يقف عند التّسمية فحسب، ولكن تعدّاها إلى إبداع وإخراج تصنيف جديد، يُنتقى الشّعرُ من خلاله على ترتيب الأغراض، واحتذى حذوَه الكثير من النقاد والشعراء من بعده، وفي البناء على شاكلة بناءه، وهذا معنى"إمكانية التّطوير"في شروط ماكينون.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت