ـ [أبو الفداء] ــــــــ [27 - Mar-2009, صباحًا 10:25] ـ
الحمد لله وحده ..
أما بعد، فقد ورد في خبر مرض موت النبي عليه السلام في الصحيحين وغيرهما قصة مفادها أن عائشة وغيرها من نسائه عليه السلام لددنه - وضعن الدواء في فمه - مخالفة له وعلى كراهية منه لذلك، بأبي هو وأمي، فأدبهن لذلك .. فاستشكل أهل العلم وجه ما فعله النبي عليه السلام بسبب ذلك العمل منهن، ووضعوا لذلك أجوبة جمعها الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح وأحسن تخريجها ومباحثتها، رحمه الله وأحسن إليه .. وقد بدا لي أن أضيف على أجوبتهم لذلك الاستشكال جوابا، عسى الله أن يغفر لي به ذنوبي وأن ينفع به المسلمين ..
وأسوق بداية متن الرواية من الصحيحن:
/// ففي صحيح البخاري
(( 6501 حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثنا موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله قال قالت عائشة ثم لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه وجعل يشير إلينا لا تلدوني قال فقلنا كراهية المريض بالدواء فلما أفاق قال ألم أنهكم أن تلدوني قال قلنا كراهية المريض للدواء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبقى منكم أحد إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم ) )
/// وفي صحيح مسلم
(( 2213 حدثني محمد بن حاتم حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان حدثني موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة قالت ثم لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فأشار أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال لا يبقى أحد منكم إلا العباس فإنه لم يشهدكم ) )
وما عدا هاتين الروايتين مما صح في الخبر فلا يخرج عن تلك الأحداث ..
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (8/ 147) :
"قوله حدثنا على حدثنا يحيى وزاد قالت عائشة لددناه في مرضه أما على فهو بن عبد الله بن المديني وأما يحيى فهو بن سعيد القطان ومراده أن عليا وافق عبد الله بن أبي شيبة في روايته عن يحيى بن سعيد الحديث الذي قبله وزاد عليه قصة اللدود قوله لددناه أي جعلنا في جانب فمه دواء بغير اختياره وهذا هو اللدود فأما ما يصب في الحلق فيقال له الوجور وقد وقع عند الطبراني من حديث العباس أنهم أذابوا قسطا أي بزيت فلدوه به قوله فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء قال عياض ضبطناه بالرفع أي هذا منه كراهية وقال أبو البقاء هو خبر مبتدأ محذوف أي هذا الامتناع كراهية ويحتمل أن النصب على أنه مفعول له أي نهانا للكراهية للدواء ويحتمل أن يكون مصدرا أي كرهه كراهية الدواء قال عياض الرفع أوجه من النصب على المصدر قوله لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا انظر إلا العباس فأنه لم يشهدكم."
قيل فيه مشروعية القصاص في جميع ما يصاب به الإنسان عمدا وفيه نظر لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك وإنما فعل بهم ذلك عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عن ذلك أما من باشره فظاهر وأما من لم يباشره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم هو عنه ويستفاد منه أن التأويل البعيد لا يعذر به صاحبه وفيه نظر أيضا لأن الذي وقع في معارضة النهي قال بن العربي أراد أن لا يأتوا يوم القيامة وعليهم حقه فيقعوا في خطب عظيم وتعقب بأنه كان يمكن العفو لأنه كان لا ينتقم لنفسه والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم لئلا يعودوا فكان ذلك تأديبا لا قصاصا ولا انتقاما
قيل وإنما كره اللد مع أنه كان يتداوى لأنه تحقق أنه يموت في مرضه ومن حقق ذلك كره له التداوى قلت وفيه نظر والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير والتحقق وإنما أنكر التداوى لأنه كان غير ملائم لدائه لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب فداووه بما يلائمها ولم يكن به ذلك كما هو ظاهر في سياق الخبر كما ترى والله أعلم
(يُتْبَعُ)