فهرس الكتاب

الصفحة 27286 من 27809

حكاية من تزبّب وهو حِصْرَم ... فاتعظ بغيرك قبل أن تندم

ـ [الأحنف بن قيس] ــــــــ [11 - Feb-2010, مساء 06:48] ـ

قال أحمد الحربي:

مرحبًا بكم يا سادة يا كرام وسلامٌ من الله عليكم ورحمة منه وبركة

خلتي وصحبي

لا جرم! إني لأكتب هذا الموضوع والمحاذير تتناوشني من مكانٍ قريبٍ ومن مكانٍ بعيد، مخافة ألاّ يكون هذا الموضوع لله، ولذلك أقول: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الموضوع رياءٌ وشُهرة، أو حُبٌّ للظهور والسُّمْعة، أو لأحدٍ من خلقك نصيبٌ فيه، اللهم فسلِّط على هذا الموضوع الأَرَضة تأكله من أعلاه إلى أسفله، واقتُلْه في مهده، وإدْه في استهلاله، واجعل حروفَه شَذَرَ مذَر، وألفاظَه شغَرَ بغَر، ولا تنسأ له في الأثر، واجعل تأثيره لا يُجاوز أرنبة أنفه. وإن كنت تعلم أنه خالصًا لك، قاصدًا به رضاك، طالبًا لمّ الشمل وجمع الكلمة على الحق والهدى فاكتب له القبول واجعله يسير في القلوب مسير الشمس في الكون، واجعله عُدّةً لي في يوم الشِّدَّة، ثُقْلًا في صحيفة الأعمال، وزيادة في الهدى والتقى.

لا جرم! إني لأكتب هذا الموضوع وقلبي مفعمٌ بالأمل ممتليءٌ بالأمنيات أن يكتب الله له القبول بين شريحةٍ كثيرٍ عديدُها من أهل الخير والاستقامة، وهم صغار طلبة العلم.

لا جرم! إني لأكتب هذا الموضوع وأنا أشد حذرًا من هاربٍ بدم، خشية أن يستغله بعض المرضى في غير ما أُريد له، فيقول انظروا إلى هذا الرجل من تلك الفئة وكيف هي نهايته ونهاية كل من سار على نهجه! فحينها سأقول له سقطْتّ ولا لعًا لك.

لا جرم! إني لأكتب هذا الموضوع وفي خاطري تتصارع الأفكار، كيف آتيه؟ وأي طريقٍ أسلكها لأصل به إلى شاطيء الأمان؟ وإلى أيِّ مدىً هذا المبنى يدل على هذا المعنى! وإلى أيِّ مدىً ذاك المعنى يقوم به هذا المبنى خير قيامٍ.

سأسير في هذا المقال على قدم الإيضاح والتفصيل، بعيدًا عن العمومات التي يُفسِّرها المغرض على هواه، بعيدًا عن المجملات التي يفصِّلها المتردِّي من فوق جبال الجهل والهوى على ما يريد، فالمقام مقام نصيحةٍ في ثوب قصّة، وحكايةٍ في قالب نصيحة، محاولًا قدر المستطاع قطع كل صارفٍ يصرف، ومؤوِّلٍ يتأوّل، والله وحده المعين.

هذا المقال يا سادة يا كرام، لا يشمل صنفين من الناس، وهم العلماء وطلبة العلم الكبار، وكلٌّ حسيب نفسه ورقيب عقله، فهل أنت من العلماء؟ وهل أنت تعد في طلبة العلم الكِبار؟ أعني كبار العلم لا كِبار السن، إن كنتَ أحد هذين الصنفين فإنك تعلم ما تأتي وتذر، وعليك من نفسك رقيبْ، والواجب عليك كبيرٌ في اقتفاء الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وفي ردع الباطل وبيان الحق الذي قام عليه البرهان بصدقه، وما البرهان إلا آيةٌ محكمة أو سنة ماضية أو إجماعٌ منعقد، أو قياسٌ معتَبر، فعليك البلاغ والبيان دون الالتفات إلى كثرةٍ وقِلة، فإن الحق هو الكثرة، وإن الباطل هو القلة وإن ملأ أصحابه فِجاج الأرض.

وإن كنتَ من الصنف الذي أقصده وهم طلبة العلم الصغار فإن هذا المقال لك، وما قام له سوقٌ إلا بك.

يشملك هذا المقال أيها الصغير المتزبِّب قبل أن يتحصرم، بغض النظر عن توجّهك وما تنتهجه! جاميٌ كما ينعت الناعتون، أو صحوي كما يصف الواصفون، أو قطبيٌّ أو سروريٌّ كما يقوله الآخرون، فأيًا كنتَ فإنني أعنيك وأقصدك، وما ذكرتُ هذه المسميات إلا للتوضيح فقط، دون التعرض لنقدها في خصوص التسمية، موافَقةً أو مخالَفة، فالغرض هنا إطْلاعك على أصابع القصد وإلى أين تشير، حتى لا ترفع ثوبك عن الدم المهراق من أجساد الجهل وتظن أن جسدك الجاهل يسلم!

حبيبي وقرة عيني، إن في تقادم السنين وتتابعها وتسارعها عبرة لمن يعتبر، وذكرى لمن ألقى النظر والسمع لها، هي في تقلبها بالمرء حالًا على حالٍ تحْبوه الحكمة، وتوقفه على ما خفي عليه في سِنيِّ حياته الأولى، تُطلعه على اعوجاج مساره، وتوقظه من سبات قراراته، وتنبهه من غفَلاته، كلما وقف والتفت خلفه ورأى كمًّا هائلًا من السنين والأعوام، أطرق إطراق المُعتِبر والمتفكر في مآله، ثم تنهَّد تنهُّدَ من يساقون إلى الموت وهم ينظرون، ولربما تحدرت دمعتان خفيفتان من مقلتيه تحكيان مرارة الحال وشدة الألم، ولعل الخير كل الخير للمرء في أن يصحح ما اعوجّ من الطريق، ويستدرك ما فات من العمر، ويستأنف حياته كما يجب أن تكون ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت