ـ [أبو فهر السلفي] ــــــــ [27 - Dec-2007, مساء 10:48] ـ
قال الشيخ الشنقيطي: (( وكل ما يُسميه القائلون بالمجاز مجازًا، فهو عند من يقول بنفي المجاز أسلوب من أساليب اللغة العربية، فمن أساليبها إطلاق الأسد مثلًا على الحيوان المفترس المعروف وإنه ينصرف إليه عند الإطلاق وعدم التقييد بما يدل على أن المراد غيره، ومن أساليبها إطلاقه على الرجل الشجاع إذا اقترن بما يدل على ذلك،ولا مانع من كون أحد الإطلاقين لا يحتاج إلى قيد والثاني يحتاج إليه؛ لأن بعض الأساليب يتضح فيها المقصود فلا يحتاج إلى قيد وبعضها لا يتعين المراد فيه إلا بقيد يدل عليه وكلًا منهما حقيقة في محله وقس على هذا جميع أنواع المجازات ... وإنما هي أساليب متنوعة بعضها لا يحتاج إلى دليل وبعضها يحتاج إلى دليل يدل عليه ) ).
قلت: رحم الله الشيخ وتجاوز عنه ... وهذه طريقة فاسدة جدًا في نفي المجاز ...
بل إن قوله إن لفظ الأسد يدل على الحيوان المفترس المعروف وإنه ينصرف إليه عند الإطلاق وعدم التقييد، ولا يدل على الرجل الشجاع إلا إذا اقترن بما يدل على ذلك = هو نفس قول أبي عبد الله البصري ومن اتبعه من المتكلمين ...
وقد أنكر شيخ الإسلام -رحمه الله- على أولئك المتكلمين قولهم: الحقيقة مادل مع الإطلاق والتجرد من القرائن،وقال فليس في الكلام الذي يتكلم جميع الناس لفظة مطلقة عن كل قيد (الفتاوى 7/ 100 وما بعدها حتى 7/ 116) .
قلت: وطريقة الشيخ الشنقيطي في نفي المجاز هنا طريقة فاسدة جدًا ... فغاية الأمر أن ما يسميه مثبتة المجاز حقيقة =سماه الشيخ (أسلوب لا يحتاج إلى قيد) وأن ما يسميه هم مجازًا سماه الشيخ (أسلوب يحتاج لقيد) فأي شئ هذا (!!!!)
بل إن قولهم حينئذ يكون أخف وأقرب ....
وإنما نقول: أن القول بأن هناك ألفاظ يفهم المراد منها بغير قرينة وألفاظ تحتاج للقرينة = خطأ كله ...
ولو وجدت ورقة ملقاة ممزقة كتب فيها لفظ (أسد) لا ندري من كاتبها ولا من أين أتت ولا تحتف بها أي قرينة دالة ... فإننا لا ندري حينئذ أي معنى من معاني كلمة أسد أراد كاتبها .... وما من لفظة إلا وهي مقترنة بمن تكلم بها ومقترنة بغيرها من كلام ذلك المتكلم وأنبائه وحاله ما يبين ما أراده بلفظه، فكل لفظة فهي مقترنة بقرائن، واللفظ العاري عن القرائن البتة هو لفظ ذهني محض لا يوجد في الخارج ولا يعرف معناه المعين حتى يقترن به من القرائن ما يعين المعنى المراد ...
ـ [أبو مالك العوضي] ــــــــ [27 - Dec-2007, مساء 11:36] ـ
لماذا التسرع يا شيخنا الفاضل!!
هل تظن أن الشيخ الشنقيطي جاهل لهذه الدرجة باللغة العربية؟! هو البحر لا تكدره الدلاء!
الشيخ رحمه الله يقصد (بغير قرينة لفظية) ، أما قرائن السياق فقد دل كلامه عليها، وهذا واضح جدا في قوله:
(( لأن بعض الأساليب يتضح فيها المقصود ) )
فهو يتكلم عن أسلوب يتضح منه المقصود، ولا يتكلم عن كلمة مكتوبة في ورقة على الأرض!!!
فاتضاح المقصود من الأسلوب هو القرينة، ولكنها ليست هي القرينة التي يطلبها مثبتو المجاز، فهو يرد عليهم:
-إما من باب التنزل على مقتضى كلامهم في معنى القرينة وأنها اللفظية فقط
-وإما من باب التفريق بين أنواع القرائن، وأن منها ما هو لفظي ومنها ما هو عقلي ومنها ما هو عاديّ.
وشيخ الإسلام ابن تيمية نفسه أشار إلى مثل ما أشار إليه الشنقيطي في كلامه عن المجاز، فقال: إن اشتراط عدم القيد هو في حد ذاته قيد، فيسقط كلامهم، وهذا هو معنى كلام الشنقيطي، والشنقيطي أصلا أخذه من شيخ الإسلام.
ولا يشك أحد يعي ما يقول أنني إذا قلت: (السماء) ، أو (الأرض) ، أو (الطين) أو (الحصان) .... إلخ إلخ أن الذهن ينصرف إلى المعاني المتعارفة لهذه الأسماء، وليس في الكلام أي قرينة لفظية تفيد المراد، وإنما استفيد المراد من مجاري العادات، فهذا هو ما يفهمه العقلاء جميعا، ولم يختص به هذا المتكلم أو ذاك.
ومجاري العادات هذه قد تسمى قرينة أيضا إذا عممنا مقصودنا بالقرائن، أما إن قصرنا القرائن على القرائن اللفظية فلا يكون في الكلام قرينة، وهذا ما يقصده أرباب المجاز، فتأمل!!
وحاصل الأمر أن الخلاف هنا بين الفريقين لفظي أصلا؛ فالجميع متفقون على أن الذهن قد ينصرف إلى معنى من المعاني دون آخر، ولكن هذا الانصراف هل سببه (عدم وجود القرينة) الذي هو بعينه (قرينة عند شيخ الإسلام) ، أو سببه (وجود قرينة مستفادة من مجاري العادات وهي كثرة الاستعمال) .
وهذا الخلاف ليس له تأثير في الخلاف بين منكري المجاز ومثبتيه، وإنما الخلاف الحقيقي بينهم في أنهم يزعمون أن الألفاظ وضعت في الأصل مفردة بغير استعمال، ثم حصل الاستعمال لها فيما بعد: إما فيما وضعت له ابتداء فيصير حقيقة، وإما فيما لم توضع له فيصير مجازا، فهذا هو الذي ينكره شيخ الإسلام ويقول إنه لا دليل عليه مطلقا.
وحتى لو تنزلنا مع هؤلاء وقلنا إن ما قالوه محتمل، فهم متفقون معنا على أن المجاز قد يكثر كثرة الحقيقة ثم يستعمل استعمالا آخر فيصير مجازا من المجاز، ثم يصير المجاز الآخر مجازا ثالثا وهكذا، وما دام الأمر كذلك فما المانع أن يكون الوضع الأول أيضا مجازا من حقيقة أخرى لم تصلنا ما دمتم تجوزون هذا الوضع الابتدائي الذي لم يصلنا؟!
وبهذا يسقط تقسيمهم للحقيقة والمجاز من أصله.
(يُتْبَعُ)