ـ [أبو الفداء] ــــــــ [25 - Sep-2009, مساء 06:07] ـ
الحمد لله وحده
قال ابن حجر رحمه الله في الفتح عند شرح حديث"خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا في السماء":
"قوله فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن أي أن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة واستقر الأمر على ذلك وقال بن التين قوله فلم يزل الخلق ينقص أي كما يزيد الشخص شيئا فشيئا ولا يتبين ذلك فيما بين الساعتين ولا اليومين حتى إذا كثرت الأيام تبين فكذلك هذا الحكم في النقص ويشكل على هذا ما يوجد الآن من آثار الأمم السالفة كديار ثمود فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة الطول على حسب ما يقتضيه الترتيب السابق ولا شك أن عهدهم قديم وأن الزمان الذي بينهم وبين آدم دون الزمان الذي بينهم وبين أول هذه الأمة ولم يظهر لي إلى الآن ما يزيل هذا الاشكال"انتهى كلام الحافظ رحمه الله.
قلت جواب هذا الإشكال بعون الله من وجهين:
/// ليس من الصواب في مناهج النظر أن يُستند في صنعة ما إلى ظنٍ لا ينهض فيها للاستدلال في نقد أو تأويل ظن آخر يصلح للاستدلال في تلك الصنعة. فالذي بين أيدينا حديث صحيح ثابت في منزلة الظن الموجب للقبول الصالح للاستدلال، بينما ما نظر فيه الحافظ رحمه الله إنما هو من جنس الظن الواهن الذي لا يصلح للاستدلال. فنحن لم يأتنا من خبر من نثق بكلامه اتصالا فضلا عن أن يكون تواترا بما لا يدع مجالا للطعن في صدق الخبر المنقول = نقلٌ بأن تلك الديار التي قيل بأنها لقوم عاد وثمود هي بعينها ديار عاد وثمود! إنما هي بقايا (ولا ندري أديار هي أصلا أم غير ذلك) أبقاها الله لنا آية من قوم سالفين لا ندري لأيهم كانت، ولا نملك إلا جمع القرائن الضعيفة في محاولة معرفة العصر أو الزمان الذي ترجع إليه تلك الآثار.
فقول الحافظ رحمه الله:"كديار ثمود"مردود بأننا لا ندري أهي ديارهم حقا أم ديار غيرهم من الأمم .. فإن تقرر ذلك المعنى، سقط الإشكال بذلك رأسا!
وهذا التعقب في أصول الاستدلال من الأهمية بمكان، فقد رأيت من الإخوة من يرجع إلى هذا الاستشكال من الحافظ رحمه الله فيجعله بابا لإنهاض اكتشافات علماء الحفريات والآثار ونحوهم لمنزلة النظر في نقد وتأويل متون الحديث، فضلا عن جملة معطيات"المنهج العلمي الإمبيريقي"بصفة عامة، فتراهم يسول لهم ذلك المدخل الأخذ والرد من كلام السالفين في تأويل الكتاب والسنة على وفق ما تحملهم عليه ظنونهم في ذلك، فترى متونا لم يتعرض لها أحد من أهل الصناعة بالنقد أو الرد من قبل قط، وهؤلاء الإخوة يردونها بكل سهولة متذرعين بأن من الأئمة والشراح من"اعتمد منهج النظر التجريبي"مدخلا للتأويل والنقد، فها نحن نرى الحافظ ابن حجر رحمه الله يستشكل بناءا على هذا النظر!! وهذا ولا شك ثغر خطير ينبغي أن يسده أهل العلم حتى لا يتسع الخرق على الراقع وتضيع معالم هذا المنهج المبارك الذي حفظ لهذه الأمة دينها إلى يوم الناس هذا، والله المستعان.
وقد يقول القائل: وهل غاب عن ذهن الإمام الحافظ رحمه الله هذا المعنى في مسألة قوة الاستدلال حتى طرأ على باله هذا الإشكال؟ ونقول إن الإمام رحمه الله تركه إشكالا، بمعنى أنه طرأ على ذهنه ولم يجد له جوابا! لا بمعنى أنه عارض به الحديث أو أومأ ولو من بعيد إلى الطعن في متنه! والظاهر أنه أورد الإشكال على تأويل الشراح له بأن المراد النقص التدريجي، إذ تعقب بهذا الإشكال كلام ابن التين كما في النقل، وهذا التعقب لا يستقيم للوجه الثاني من الجواب كما سيأتي.
ولكني أوردت هذا الوجه الأول من الجواب لأبين أن الاستشكال نفسه غير معتبر بوجه من الوجوه، لقيامه على طريقة غير مستقيمة في النظر في أخبار الغيب (وهو من الغيب الزمني) .. فلا أبرح هذه الجزيئة من الجواب حتى أبين هذا المعنى، وأوضح أن بني آدم من بعد النبيين والمرسلين ليسوا بمعصومين، ولكل جواد كبوة، ولكل إمام هفوة .. ومسألة الخلط في منازل الأدلة من حيث قوة الاستدلال هذه مسألة دقيقة لا يتفطن إليها كثير من طلبة العلم والمشتغلين بالنظر والتأصيل والتقعيد. فالسبب في أننا نعترض على أصحاب الإعجاز العلمي في جملة كبيرة مما يذهبون إليه (لا في كل ما عندهم فمنه ما هو صواب
(يُتْبَعُ)