فهرس الكتاب

الصفحة 18663 من 27809

ـ [الأمين] ــــــــ [14 - Jun-2010, مساء 05:49] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا كَتَبَ شَخْصٌ كِتَابًا إلى شخْصٍ غَائِبٍ، قائلًا فيهِ: أبيع لك سيارتي التي تعرف بخمسين ألفَ ريالٍ، وقَبِلَ المُرسَلُ إليهِ المَبيعَ في مجلس قراءتِهِ للكِتَاب، أو كَتَبَ كتابًا للبائعِ يُخبِرُه فيه بقبوله لهذه البيعة، فقد انعقد العقد، فإن قلت لي:كيف ذاك، ولم تقع المشافهة بينهما؟

أجبتك بقولي: قد انعقد؛ (لأن الكِتَابَ كالخِطَابِ) .

ولو أرادَ رجلٌ طلاقَ زوجتِهِ فكتَبَ لها كتابًا:"أنت طالق"وأرسلَه لها، فإن الطلاقَ يقعُ بذلك كما لو تلفَّظ بِالطلاقِ مشافهةً.

فإن قلتَ: أهو صحيحٌ؟

فالجواب: هو صحيح؛ (لأن الكِتَابَ كالخِطَابِ) .

الإخوة الكرام ..

هذه قاعدة فقهية من فروع القاعدة الكبرى المشتهرة (العادة محكمة) .

وهي مندرجة تحتها؛ لأنها تعبِّر عن سلطان العرف اللفظي، وأثره في الأحكام، ومما يقوم مقام اللفظ في التعبير عن المراد = الكتابة.

فيصار إليها عند الحاجة، يقول ابن القيم رحمه الله:"فمن عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان، عُمِل بمقتضاه سواء كان بإشارة أو كتابة أو بإيماءة أو دلالة عقلية أو قرينة حالية أو عادة له مطردة لا يخل بها"إعلام الموقعين 1/ 218

فيُعمل بالكِتَاب المكتوبِ على الوجه المتعارفِ عليه، ويعدُّ حُجةً على من حرره.

ولفظ القاعدة واضح، فهو مركب من أمرين: الكتاب، الخطاب، وكلاهما معروف المعنى، فلما و مُزِجَ بينهما بكاف التشبيه، بان لك أن المعنى: أن المكاتبة تعطى حكم المخاطبة من جهة ما يشترط في كلٍ منهما، وما يترتب عليه من أحكام.

أما الآن، وقد اتضح المراد، فقل: وهل ثمَّ دليلٌ على ما ذهبت إليه؟

فالجواب: إي وربي! فقد جرى على هذه القاعدة الفقهية عملُ النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل أصحابه من بعده، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل رسله بالكتب إلى القبائل، وزعامائها، وإلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وكان يُلزمهم مضمون تلك الكتب، ويترتب عليها ما يترتب على مخاطبة غيرهم من أحكام بلوغ الدعوة الذي هو شرط للتكليف، و كان يرسل سُعاته إلى القبائل بعد إسلامها ليبلغوهم أحكام الإسلام، أو لينفذوا حكما شرعيا كجباية الزكاة ونحوها.

وكذا كان حال الخلفاء من بعده يرسلون الكتب إلى الأمراء والقضاة بالأحكام الشرعية و المصالح الدنيوية، فتُنفذ وتمُتثل.

ولكن يشترط لإعمال هذه القاعدة؛ شروطٌ:

فالأول:

أن يكون الكتاب مستبينا، أي ظاهرًا واضحا، فلا عبرة البتة بما لم يكن مستبينا، ولايثبت به شيء من الأحكام، فهو بمنزلة الكلام غير المسموع.

والثاني:

أن يكون الكلام مرسوما، أي مكتوبا على الوجه المعتاد في الخط، والمخطوط عليه.

"في الخط"بأن يبين الكاتب نفسه (من فلان بن فلان إلى ... ) ، وأن يذيله بشيء يثبت ذلك كالإمضاء ونحوه.

"في المخطوط عليه"أن يكون بما اعتاده الناس في الكتابة كالورق ونحوه.

والثالث:

أن يكون الكتاب من غائب، فلا عبرة بكتاب الحاضر إلا في حالتين:

1: العجز عن الخطاب، فيعتبر الكتاب ولو من حاضر.

2: أن يكون الكتاب مما لا يفتقر في ثبوت حكمه إلى الإطلاع عليه، أي يستقل به الإنسان، فلا يحتاج للطرف للآخر كالإقرار والطلاق والإبراء، فإنه يثبت حكمها ولو من حاضر.

ومن كان لديه، إضافة أو إفادة، من مشايخنا وأساتذتنا هنا، فليتحف.

أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد في الدارين، وأن يرزقنا جميعا العلم النافع والعمل الصالح. آمين.

[مراجع ما سيق أعلاه: القواعد الكلية / د محمد شبير،

الممتع في القواعد الفقهية لـ د مسلم الدوسري]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت