ـ [أبو فهر السلفي] ــــــــ [07 - May-2008, مساء 06:16] ـ
الحمد لله وحده ...
هذه الجناية من أقدم أسباب الخلاف على الإطلاق .. وأول من شهرها فقهاء أهل الحديث بالعراق،وزاد في تقريرها الشافعي رحمه الله ... مع نجاتهم-غالبًا-من بعض الآثار السيئة لهذه الجناية ...
وأصلُ ذلك أنَّ السنة هي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ما لا يُختلف فيه ...
ثم إن الذي يدل على هذا الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم =دلائلُ كُثر ليست محصورة في الرواية،وإنما تشمل الرواية والإجماع واجتهاد الرأي الذي منه القياس ومعرفة مقاصد الشرع والبصر بالمعاني التي ينظر إليها الشارع عند تشريع الأحكام ...
فأتى فقهاء أهل الحديث فالشافعي فسموا مجرد الرواية إذا صحت -ولو كانت خبر واحد- سنة.
ثم صاروا يرتبون على مخالفة مالديهم من الروايات على ما فهموه منها =كل ما يُرتب على مخالفة السنة ..
وصار من يرد رواياتهم هذه ولا يحتج بها على صنفين:
صنف يرد ما لديهم من الروايات بروايات أُخر-ومن باب أولى بحجج القرآن- وكان الخلاف بينهم وبين هذا الصنف خفيفًا لا يدخله الطعن وتشديد النكير،ومثله الخلاف الذي تجده بين أحمد وإسحاق بن راهويه ...
وصنف يرد ما لديهم من الروايات لعدم ثبوتها عنده مع وجوب الالتفات إلى أن عدم الثبوت هذا كان مبنيًا على أصول غير الأصول التي يجري عليها أهل الحديث من النظر إلى فقه الراوي ومن النظر إلى مدى موافقة ما روى للقياس (والقياس هنا هو ما ثبت لديهم من أصول وكليات ومقاصد الشرع) .
وقد تثبت عندهم الرواية كثبوتها عند أهل الحديث ولكنهم يخالفونها باجتهاد الرأي والنظر في المعاني والمقاصد والأشباه ...
ولما كان فقهاء أهل الحديث يعدون ما ثبت لديهم من الرواية على المعنى الذي فهموه منها =سنة ... صاروا يشنعون على فقهاء الرأي بمخالفة السنة ...
وما كان فقهاء أهل الحديث قالين لاجتهاد الرأي والقياس جملة بل كانوا يستعملونه حيث عدمت الرواية بمرة فكان عندهم بمنزلة الميتة للمضطر ... وليس الأمر كذلك عند فقهاء الرأي بل كانوا يرون الرواية والاجتهاد طريقان للوقوف على السنة قد يُسلك أحدهما ويُهجر الآخر مادام المسلوك أصح دلالة وأهدى سبيلًا ... وحتى إن سلك طريق الرواية فيستصحب الاجتهاد والنظر في المعاني حال سلوك طلب الرواية ...
وتأمل معي هذا المثال القديم:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَلَوْ مِنْ ثَوْرِ أَقِطٍ» . قَالَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الدُّهْنِ أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الْحَمِيمِ قَالَ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَا ابْنَ أَخِى إِذَا سَمِعْتَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلاَ تَضْرِبْ لَهُ مَثَلًا.
من ذا يزعم أن حبر الأمة يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد الوضوء مما مست النار جميعًا على الوجه الذي يراه الناظر كأبي هريرة للرواية =ثم يُعارض ذلك بمثل أو قياس (؟؟؟)
وإنما لا يخلو الأمر من حالتين:
إما أنه يَطعن في حفظ أبي هريرة لهذا الحديث.
وإما أنه يرى أن الرواية ليس هذا فقهها وإنما لها فقه يُتأمل فيه بالنظر في معاني ومقاصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
ولذلك المثال نظائر كثيرة ...
فحال فقهاء الحديث كحال أبي هريرة ...
وحال فقهاء الرأي كحال ابن عباس ...
ثم خلف من بعد تلك القرون- قرون الأئمة- خلف كانوا أضيق صدرًا وأقل رعاية لفقه الخلاف فزادوا في الطعن على مخالف الرواية وزاد تعظيمهم لفهمهم للرواية حتى أضحى فهمهم يوضع محل السنة ويُشار إلى الجميع بإشارة واحدة ...
والذي نخلص إليه:
أن السنة هي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأنه متى عُرف هذا الذي كان عليه النبي بطريق قطعية تُعلم بالضرورة فقد قُطع النزاع ...
أما مجرد الرواية-وإن صحت-فهي طريق للوقوف على هذه السنة وليست هي السنة نفسها ...
نعم يصح إطلاق هذا باعتبار ظن الناظر في الرواية واطمئنانه إلى أنها نفسها سنة النبي ... وإنما الشأن في إعلان النكير على المخالف وجبهه بإنه خالف السنة ... ومن تبينت له السنة لم يجز له مخالفتهاو ... و ... و .... إلى آخر هذا الكلام الذي وضعت فيه السنة موضع الرواية ...
كذلك اجتهاد الرأي والقياس ليس حجة ملزمة في شئ وإنما هو و رأي ونظر قد يطمئن له الناظر فيقول به وقد لا يظهر له ما ظهر لأصحابه من صحة هذا النظر ....
وكذا أصول أهل الرأي في رد الروايات وقبولها هي مذهب معتبر لا يُقضى عليه لمجرد خلافهم لفقهاء أهل الحديث وإنما الشأن في حجج الفريقين والنظر فيها ....
وأسعد الأئمة جميعًا -نسبيًا-هو مالك رحمه الله لجمعه بين الرواية والرأي والعمل جميعًا؛لذا كان أصح الأئمة أصولًا ...
(يُتْبَعُ)