ـ [الحُميدي] ــــــــ [06 - Oct-2009, مساء 01:19] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم:
الحمد الله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه.
قلت في رسالتي: (إتحاف الأنام بمن جرد و نقح أحاديث الأحكام من أئمةالمغرب الأعلام، ص: 4 و ما بعدها) ،في ترجمة أبي جعفر الإشبيلي الظاهري (المشهور بابن أبي مروان ) ):
"ونجد الحافظ أحمد ابن الصديق الغماري -رحمه الله - على عادته في انتقاص الأفاضل،واتهامهم بغير برهان،قد فهم كلام ابن الأبار فهمًا جعله يتهم الحافظ عبد الحق الإشبيلي بأنه سطا على كتاب شيخه ونسبه لنفسه،فقد قالكما في (جؤنة العطار2/ 67) بعد ذكره لترجمة أبي جعفر الإشبيلي الظاهري: (قلت -أي أحمد ابن الصديق-:فضاع هذا المسكين،وحاز الشهرة عبد الحق بكتابالأحكام،ولكن إن كانت تلك الأوهام منه فقد سلمه الله من ابن القطان،ووقعفي يده عبد الحق،وذلك جزاء من يغير على كتب الناس ويدعي ما ليس له) . [1] "
قلت: أما أبو جعفر الإشبيلي- رحمه الله - فلم يضِعْ ذكره، و لم يعف أثره، بل خلف مدرسة يمثلها تلميذه النجيب الحافظ الواعية عبد الحق الإشبيلي الظاهري، فهو قد خلد اسمه في صفحات التاريخ بإنجاب هذا الحافظ،والذي يعدحسنة من حسناته،فكيف يسطو هذا التلميذ على مؤلَّف شيخه؟ هذه أفيكة ظاهر للناظر وهاؤها، فحاشا ابن الخراط الإشبيلي أن يصنع هذاالصنيع الذي لا يليق إلا بمتسَور على العلوم لم يطرق أبوابها، و لم يثافنأربابها، و أما عبد الحق الإشبيلي فكرع العلم من أكف الحفاظ و المشايخ، وقد شهد له بالحفظ و جلالة القدر حفاظ المغرب والمشرق الأقحاح-كما سيأتي فيترجمته إن شاء الله-،والشهرة التي حازها فإنما هي بإخلاصه في عمله لا بسلب جهد غيره رحمه الله، وحسبنا أن نقول مثل ماقال ابن الأبار فقد بنى كتابه على كتاب شيخه، بالاستفادة منه لا غير، مقتديا في ذلك بشيخه،مما دفعه لتأليف تواليف أخرى عظيمة رحمه الله، وهي تواليف غزيرة جليلة تهوي على أفيكة الغماري بقذائف البطلان، و تدرجه تحت خط الهذر و الهذيان.
ومما حدا-أيضا- بأحمد ابن الصديق الغماري إلى تلفيق هذه التهمة قول الحافظابن الأبار -عند ترجمته لعبد الحق الإشبيلي-: (صنف في الأحكام نسختينكبرى وصغرى؛ سبقه إلى مثل ذلك أبو العباس بن مروان - بل أبو جعر ابن أبيمروان أو أبو عمر- الشهيد بلبلة؛ فحظي عبد الحق دونه ... ) . 3/ 120 التكملة. [2]
أين الاغارة والسطو من كلام ابن الأبار، والله المستعان.
والشهرة التي نالها عبد الحق الإشبيلي رحمه الله،نقول عنها كما قال الحافظ ابن القطان الفاسي (ت628) -رحمه الله -في خطبة كتابه (بيان الوهم والإيهام) بعد الحمد والصلاة: (وبعد؛ فإن عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي، ثم الاشبيلي، رحمة الله عليه، قد خلّد في كتابه الذي جمع فيه أحاديث أحكامأفعال المكلفين علمًا نافعًا وأجرًا قائمًا، زكا به عمله، ونجح فيه سعيه، وظهر عليه ما صلح فيه من نيته، وصح من طويته؛ فلذلك شاع الكتاب المذكوروانتشر، وتُلقي بالقبول، وحق له ذلك، لجودة تصنيفه، وبراعة تأليفه، واقتصاده، وجودة اختياره، فلقد أحسن فيه ماشاء، وأبدع فوق ما أراد، وأربىعلى الغاية وزاد، ودل منه على حفظ وإتقان، وعلم وفهم، واطلاع واتساع، ... ) . [3]
وكلام الحافظ ابن القطان يرد ما يوهمه كلام أحمد ابن الصديق،بأن الحافظ ابن القطان الفاسي إنما أراد باستدراكاته على عبد الحق الإشبيلي النكاية به وفضحه، بل مقصده أسمى وأشرف كما بين بنفسه ذلك - رحمه الله - فقال: (وقد يظن ظان أن كتابنا هذا مقصور الإفادة على من له بكتاب أبي محمدعبدالحق اعتناء، فذلك الذي يستفيد منه إصلاح خلل،أو تنبيها على مغفل، هذا الظن ممن يظنه خطأ، بل لو كان كتابنا قائما بنفسه،غير مشيرا إلىكتاب أبي محمد المذكور، كان ما فيه من التنبيه على نكت حديثية، جلت عنهاوعن أمثالها الكتب،وتعريف برجال يعز وجودهم، ويتعذر الوقوف على المواضع التي استفدنا أحوالهم منها، وأحاديث أفدنا فوائد في متونها أو أسانيدها،وعلل نبهنا عليها،وأصول أشرنا إليها: أفيد كتاب وأعظم ثمرة تجتنى، ومن له بهذا الشأن اعتناء يعرف صحة ما قلت. وقد يكون مما لم يسبق إليه في الصناعةالحديثية، وترتيب النظر فيها
(يُتْبَعُ)