فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 27809

ـ [أبو عمر] ــــــــ [24 - Apr-2008, صباحًا 01:17] ـ

"أفحكم الجاهلية يبغون ? ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون"..

إن معنى الجاهلية يتحدد بهذا النص. فالجاهلية - كما يصفها الله ويحددها قرآنه - هي حكم البشر للبشر , لأنها هي عبودية البشر للبشر , والخروج من عبودية الله , ورفض ألوهية الله , والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر وبالعبودية لهم من دون الله. .

إن الجاهلية - في ضوء هذا النص - ليست فترة من الزمان ; ولكنها وضع من الأوضاع. هذا الوضع يوجد بالأمس , ويوجد اليوم , ويوجد غدا , فيأخذ صفة الجاهلية , المقابلة للإسلام , والمناقضة للإسلام.

والناس - في أي زمان وفي أي مكان - إما أنهم يحكمون بشريعة الله - دون فتنة عن بعض منها - ويقبلونها ويسلمون بها تسليما , فهم إذن في دين الله. وإما إنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر - في أي صورة من الصور - ويقبلونها فهم إذن في جاهلية ; وهم في دين من يحكمون بشريعته , وليسوا بحال في دين الله. والذي لا يبتغى حكم الله يبتغي حكم الجاهلية ; والذي يرفض شريعة الله يقبل شريعة الجاهلية , ويعيش في الجاهلية.

وهذا مفرق الطريق , يقف الله الناس عليه. وهم بعد ذلك بالخيار!

ثم يسألهم سؤال استنكار لابتغائهم حكم الجاهلية ; وسؤال تقرير لأفضلية حكم الله.

(ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ?) . .

وأجل! فمن أحسن من الله حكما ?

ومن ذا الذي يجرؤ على ادعاء أنه يشرع للناس , ويحكم فيهم , خيرا مما يشرع الله لهم ويحكم فيهم ? وأية حجة يملك أن يسوقها بين يدي هذا الادعاء العريض ?

أيستطيع أن يقول: إنه أعلم بالناس من خالق الناس ? أيستطيع أن يقول: إنه أرحم بالناس من رب الناس ? أيستطيع أن يقول: إنه أعرف بمصالح الناس من إله الناس ? أيستطيع أن يقول: إن الله - سبحانه - وهو يشرع شريعته الأخيرة , ويرسل رسوله الأخير ; ويجعل رسوله خاتم النبيين , ويجعل رسالته خاتمة الرسالات , ويجعل شريعته شريعة الأبد. . كان - سبحانه - يجهل أن أحوالًا ستطرأ , وأن حاجات ستستجد , وأن ملابسات ستقع ; فلم يحسب حسابها في شريعته لأنها كانت خافية عليه , حتى انكشفت للناس في آخر الزمان ?!

ما الذي يستطيع أن يقوله من ينحي شريعة الله عن حكم الحياة , ويستبدل بها شريعة الجاهلية , وحكم الجاهلية ; ويجعل هواه هو أو هوى شعب من الشعوب , أو هوى جيب من أجيال البشر , فوق حكم الله , وفوق شريعة الله ?

ما الذي يستطيع أن يقوله. . وبخاصة إذا كان يدعي أنه من المسلمين ?!

الظروف ? الملابسات ? عدم رغبة الناس ? الخوف من الأعداء ?. . ألم يكن هذا كله في علم الله ; وهو يأمر المسلمين أن يقيموا بينهم شريعته , وأن يسيروا على منهجه , وألا يفتنوا عن بعض ما أنزله ?

قصور شريعة الله عن استيعاب الحاجات الطارئة , والأوضاع المتجددة , والاحوال المتغلبة ? ألم يكن ذلك في علم الله ; وهو يشدد هذا التشديد , ويحذر هذا التحذير ?

يستطيع غير المسلم أن يقول مايشاء. . ولكن المسلم. . أو من يدعون الإسلام. . ما الذي يقولونه من هذا كله , ثم يبقون على شيء من الإسلام ? أو يبقى لهم شيء من الإسلام ?

إنه مفرق الطريق , الذي لا معدى عنده من الاختيار ; ولا فائدة في المماحكة عنده ولا الجدال. .

إما إسلام وإما جاهلية. إما إيمان وإما كفر. إما حكم الله وإما حكم الجاهلية. .

والذين لا يحكمون بما أنزل الله هم الكافرون الظالمون الفاسقون. والذين لا يقبلون حكم الله من المحكومين ما هم بمؤمنين. .

إن هذه القضية يجب أن تكون واضحة وحاسمة في ضمير المسلم ; وألا يتردد في تطبيقها على واقع الناس في زمانه ; والتسليم بمقتضى هذه الحقيقة ونتيجة هذا التطبيق على الأعداء والأصدقاء!

وما لم يحسم ضمير المسلم في هذه القضية , فلن يستقيم له ميزان ; ولن يتضح له منهج , ولن يفرق في ضميره بين الحق والباطل ; ولن يخطو خطوة واحدة في الطريق الصحيح. . وإذا جاز أن تبقى هذه القضية غامضة أو مائعة في نفوس الجماهير من الناس ; فما يجوز أن تبقى غامضة ولا مائعة في نفوس من يريدون أن يكونوا"المسلمين"وأن يحققوا لأنفسهم هذا الوصف العظيم. .

سيد قطب / في ظلال القرآن .. تفسير الآية 50 من سورة المائدة

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت