ـ [صالح محمود] ــــــــ [13 - Jan-2007, صباحًا 04:10] ـ
هذه إجابة الشيخ خالد الدريس حفظه الله لسؤال وجهته إليه في منتديات صناعة الحديث التي يشرف عليها الشيخ علي الصياح حفظه الله:
حيث قال:
(الأخ الفاضل صالح محمود
يسأل عن حكم عنعنة الأعمش، والخطوات العملية للحكم عليها؟
أقول مستعينًا بالله:
سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي الملقب بـ"الأعمش"، مشهور بالتدليس، وإن كان هذا لا يلزم منه أنه من المكثرين فيه، كما أنه معروف بالتدليس عن الضعفاء، وأما ما فهمه البعض من كلام عثمان بن سعيد الدارمي من أن الأعمش يدلس تدليس التسوية، فهو فهم غير دقيق، وقد رددت عليه في بحثي عن"تدليس التسوية"لم ينشر بعد.
وعنعنة الأعمش اختلف علماء الحديث من المتقدمين والمتأخرين فيها، هل تحمل على الاتصال حتى يثبت تدليسه في حديث بعينه، أم يتوقف فيها حتى يثبت أنه سمع في ذلك الحديث.
وممن ذهب المذهب الأول: وهو أن عنعنته تحمل على الاتصال حتى يثبت عدمه في حديث بعينه الإمام أحمد بن حنبل، قال أبو داود في سؤالاته الحديثية للإمام أحمد، وهي غير مسائله في الفروع الفقهية التي نقلها عن الإمام أحمد:(سمعت أحمد سئل عن الرجل يعرف بالتدليس يحتج فيما لم يقل فيه سمعت؟ قال: لا أدري.
فقلت: الأعمش متى تصاد له الألفاظ.
قال: يضيق هذا، أي أنك تحتج به)وقوله"يضيق هذا"يعني صعوبة ذلك على الناقد، وفي هذا دلالة على أن الإمام أحمد يحتج بمعنعن الأعمش ما لم يعلم أنه دلس في حديث بعينه كما فهم تلميذه أبو داود، ومعنى تصاد له الألفاظ أي يتحقق من تصريحه بالسماع والتحديث.
وهذا أيضًا رأي يعقوب بن سفيان الفسوي، فقد قال في كتابه (المعرفة والتاريخ) : (وحديث سفيان وأبي إٍسحاق والأعمش ما لم يعلم أنه مدلس يقوم مقام الحجة) .
وهذا المذهب من حيث الإجمال في التعامل مع أحاديث المدلسين غير المكثرين هو مذهب كبار النقاد كابن معين وابن المديني وأبي حاتم الرازي، وظاهر صنيع البخاري ومسلم وغيرهما.
وأما المذهب الثاني: فهو من لا يحتج بمعنعن الأعمش حتى يثبت تصريحه بالسماع.
ويمثل هذا المذهب من المتقدمين ابن حبان فقد قال في مقدمة صحيحه: (وأما المدلسون الذين هم ثقات وعدول فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بينوا السماع فيما رووا مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المتقين وأهل الورع في الدين) .
وهذا المذهب هو الذي يفهم من كلام أبي الفتح الأزدي فيما يبدو لي: (ومن كان يدلس عن غير ثقة لم يقبل منه الحديث إذا أرسله حتى يقول حدثني فلان أو سمعت فنحن نقبل تدليس بن عيينة ونظرائه لأنه يحيل على ملىء ثقة، ولا نقبل من الأعمش تدليسه؛ لأنه يحيل على غير ملىء والأعمش إذا سألته عمن هذا قال عن موسى بن طريف وعباية بن ربعي) .
وهذا المذهب تبعًا لرأي الإمام الشافعي في رد حديث من دلس لمرة واحدة من الثقات حتى يصرح بالتحديث.
وربما كان هذا الخلاف هو السبب في اختلاف رأي الحافظ ابن حجر في شأن الأعمش فمرة عده في المرتبة الثانية كما في كتابه طبقات المدلسين، وهم من احتمل الأئمة تدليسهم وأخرجوا لهم في الصحاح ولو لم يصرحوا بالسماع، إلا أنه في كتابه النكت ذكره في الطبقة الثالثة وهم من أكثر من التدليس، فلم يقبل الأئمة حديثه إلا بما صرح فيه بالسماع. وعلى أية حال هذا التقسيم الذي ابتكره العلائي وطوره الحافظ ابن حجر، عندي فيه نظر، ذكرته في رسالتي"الإيضاح والتبيين بأن أبا الزبير ليس من المدلسين".
والراجح عندي - والله تعالى أعلم - هو المذهب الأول ولكن مع بعض التفصيل، فعنعنة الأعمش إذا لم نجد التصريح بسماعه من طريق يطمأن إليها، فإنها تقسم إلى قسمين، هما:
القسم الأول: حالات تكون فيها عنعنته، محمولة على الاتصال، وهي:
(يُتْبَعُ)