ـ [أبو عبد الأكرم الجزائري] ــــــــ [06 - Jul-2009, مساء 02:28] ـ
فضيلة العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني:
صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز - النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع والطيران والمفتش العام - أصحاب السمو الأمراء. أصحاب الفضيلة والمعالي والسعادة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
الحمد لله الذي علم بالقلم، وأقامنا بالدين الحق على قصد الأمم، وجعلنا باتباع الرسول النبي الأمي خير الأمم. أما بعد:
فمنذ نيف وخمسين سنة وأنا أطوف في آفاق السنة، وأصعد النظر في شعابها، وأجهد بصري في البحث والتنقيب عن نوادها وشواردها، وأركب الصعاب والذلول من رواحلها، وأرسل العنان لقلمي لوصل ما انقطع من نصوصها، والتوليف والتقريب بين ما تناثر وتفرق من أجزاء متونها، إلى غير ذلك مما حملت من أمانتها، في مؤلفات ناهزت المائة: تخريجًا، وتصنيفًا، وتهذيبًا، واختصارًا، وتبويبًا، وتصويبًا بتصحيح أو بتضعيفٍ، واستخراجًا واستنباطًا لأحكامٍ ومسائل، ومن أعلاها شأنًا، وأحبها لي السِّلسلتان الذهبيتان:"الصحيحة والضعيفة": اللتان تصدران تباعًا على تباعدٍ، وكل واحدة منهما تعد مكتبةً قائمةً برأسها في علوم السنة، تتم كل منهما الأخرى، وأحسب أنه لا غنى لطلاب العلم والباحثين عنهما، فقد أوعبت فيهما ما تفرق في دواوين الإسلام، من علم الرجال، والجرح والتعديل، والأسانيد والعلل؛ وبخاصة الخفية منها، هذا إلى جانب الكثير من المسائل العلمية، والفوائد النادرة، والقواعد الفقهية الدقيقة.
وما خطوت خطوةً واحدةً في طريق هذا العلم الشريف إلاَّ وأراني لا زلت في أوله؛ إذ هو علمٌ متجددٌ في الأحكام التي يمضيها المتخصص على نصوصه في التصحيح، والتحسين، والتضعيف، بما أوفر الله لنا من فضل، ترخي ذيوله علينا في كل يومٍ دور النشر والطباعة، من صحاحٍ، وسننٍ، ومسانيدٍ، وأجزاءٍ كانت مخطوطات مكنونةً في غيابات أجباب المكتبات العتيقة، وكان من ثمار هذا ما وفقني إليه ربي سبحانه، من صنعي في كتابي الأول:"صحيح الترغيب والترهيب وضعيفه". والثاني:"تهذيب صحيح الجامع وضعيفه". إذ جعلت لكل من نوعي الحديث الصحيح، والضعيف خمس مراتب، وهي حديثية من حيث التطبيق، وقديمةٌ من حيث الوجود: صحيحٌ لذاته، صحيحٌ لغيره، حسنٌ لذاته، حسنٌ لغيره، حسنٌ صحيحٌ، ضعيفٌ، ضعيفٌ جدًا، موضوعٌ، شاذٌ، منكرٌ سندًا أو متنًا.
وليس بخافٍ على أهل العلم المكانة التي رضيها الله لسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وأجمعت الأمة عليها، فهي صِنوُ القرآن، وشطر الوحي، ولسان التأويل الصادق لكتاب الله الذي لا يضل على الدهر، وقد علم أعداء الإسلام هذا الأمر من قديمٍ وحديثٍ، فأوضعوا خلالها بسوء مكرهم، يبغونا الفتنة بالتحريف، والوضع، والغلو، والطعن على الأسانيد العليَّة، والتشكيك فيما دونها، والنيل من حفاظها، وأمرائها، وسدنتها، والإنتقاص من الصحابة والتابعين، ورؤوس القرون الثلاثة المفضلة الأولى، في غير حقٍّ، ولا ورعٍ، ولا كتابٍ منيرٍ.
ومما يحاكي هذه الباب ويدخل فيه؛ أن يقتحم هذا العلم من لم تتهيأ له أسبابه، ونأت عنه دواعيه، ولهذا العلم قواعده، وأصوله، وأبوابه وفصوله: التي يعرف بها الناسخ من المنسوخ، والعام من الخاص، والمطلق من المقيَّد، وأسباب الوُرود، والعلل الخفية الدقيقة، والظاهرة الجلية، إلى غير ذلك مما لا بد منه لهذا العلم الشريف.
لذا، فإني أجدني أعييدُ النظر بين الفينة والأخرى في نصوص كنت خرجتها قبل وقوفي على طرقها الجديدة من بعد ظهور تلكم المخطوطات لأحكُم عليها بنقيضها، مما يحسبه بعضٌ ممن يجهل هذا الأمر تناقضًا وقعت فيه، أو وهمًا دهمني، وما علموا أن السكوت عن الحكم الجديد وإخفاءه ضربٌ من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (من كذب عليَّ متعمدًا فليَتَبَوَّأ مقعده من النار) .
(يُتْبَعُ)