وقد نبه الحق تبارك وتعالى إلى مثل ذلك في قوله جل شأنه:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) "المائدة.
وقال تعالى:"ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم".
وقد قال بعض أهل التأوبل منهم الحسن البصري: للاختلاف خلقهم. أي ابتلاء وامتحانًا.
3.بعث التفكير، ونفض غبار التقليد:
فيحصل بفقه الاختلاف صبر النفس على الاستماع إلى الآخرين، وإلى وجهات نظر متعددة؛ فينظر إلى المسائل التي يعرض لها بزوايا مختلفة تكشف له محل الغموض؛ فيحصل من التحقيق، وكثرة الصواب ما لا يخطر له على بال.
4.تحقيق الألفة، وقطع أسباب الشحناء:
إن العلاقة بالمخالف من الأهمية بمكان؛ لأن اختلال ميزانها يؤدي إلى الاختلاف المذموم المفضي إلى فساد الأحوال في الدين والدنيا.
قال الله عز وجل:"وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) "آل عمران.
وكان مما امتن الله تعالى به على الرعيل الأول تآلف قلوبهم، ولهذا حذرهم من التفرق والاختلاف فقال الله تعالى:"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) "آل عمران.
ولم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم في بناء المجتمع والدولة ـ بعد هجرته ودخوله المدينة ـ إلا بعد أن آخى بين المهاجرين والأنصار.
وحين ضاع فقه الاختلاف نهاية القرن الثالث ظهرت آثار مدمرة من الشحناء والعداوات انقشعت أغبرتها على ضياع المصالح، وتسلط الأعداء، وكان من أبرز مظاهر هذه العصور الضعف السياسي والاقتصادي والعلمي والعسكري.
وكان من آثاره على الصعيد الجهادي أنه لم تفتح في هذه الحقبة بلدان جديدة؛ بل صار أكثر عمل الجند رد هجمات الأعداء، أو الارتماء في أتون الحروب الداخلية.
وأعرض هنا لبعض مظاهر العداوات والشحناء التي نشأت بسبب غياب هذا الفقه:
على"باب الأزج":
في سنة 494 هـ في"البداية والنهاية" (12/ 160) في ترجمة منصور أبي المعالي الجيلي القاضي
قال: ( .. كان شافعيا في الفروع أشعريا في الأصول، وكان حاكما بباب الأزج، وكان بينه وبين أهل باب الأزج من الحنابلة شنآن كبير، سمع رجلا ينادي على حمار له ضائع؛ فقال: يدخل باب الأزج، ويأخذ بيد من شاء. وقال يوما للنقيب طراد الزينبي: لو حلف إنسان أنه لا يرى إنسانا فرأى أهل باب الأزج لم يحنث؛ فقال له الشريف: من عاشر قومًا أربعين يوما فهو منهم، ولهذا لما مات فرحوا بموته كثيرا. أهـ.
امتحان وتسفيه:
في سنة 545 هـ في"البداية والنهاية" (12/ 227) ابن أبي القاسم بن أبي الحسن أبو المفاخر النيسابوري قدم بغداد فوعظ بها، وجعل ينال من الأشاعرة؛ فأحبته الحنابلة، ثم اختبروه؛ فإذا هو معتزلي؛ ففتر سوقه، وجرت بسببه فتنة ببغداد، وقد سمع منه ابن الجوزي شيئا من شعره من بذلك:
مات الكرام ومروا وانقضوا ومضوا ومات من بعدهم تلك الكرامات
وخلفوني في قوم ذوي سفه لو أبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا
غبر في وجوههم:
في"طبقات الشافعية الكبرى" (1/ 651) في ترجمة أبي نصر القشيري: ( .. فإن الأستاذ أبا نصر قام في نصرة مذهب الأشعري، وباح بأشد النكير على مخالفيه، وغبر في وجوه المجسمة) .
تهم وظنون ووشايات:
(يُتْبَعُ)