الأمر الثاني: أن الأصل في الكلام أن يُحمل الكلام والألفاظ على الحقيقة؛ لأنها هي الأصل، وأنه لا يصار للمجاز إلا بشرطه الأساسي وهو وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي حتى يحفظ حق اللفظة نفسها الأساسية، وأيضًا لابد من مسوغ يسوغ الانتقال من اللفظة نقلها من أساسها إلى المعنى المتجوز إليه وهذه تسمى العلاقة، قد تكون المشابهة في الاستعارة وقد تكون المشابهة في المجاز المرسل كما سيأتي.
فالمجاز فرع عن الحقيقة ثم إن المجاز لا يقال به لا يقال بالمجاز إلا إذا قام شرطه، وهو وجود العلاقة المسوغة ووجود القرينة.
شبهوا المجاز أو الاستعارة مثل إنسان عندما يريد أن يستعير شيئًا يستعير ثوبا أو إناء أو شيئا، لابد أن يكون عارفًا بالرجل الذي سيستعير منه، الأمر الثاني: أنه قاس هذا الثوب مثلًا لابد أن يكون على مقاسه إن كان سيلبسه، لابد من وجود أشياء لطيفة: العلاقة والقرينة، وليعلم أن هذا الثوب ثوب فلان أيضًا يملكه أساسًا، لأنه أصلًا حقه فأقول: إن الكلام ينقسم إلى هذين القسمين الكبيرين وهما الحقيقة والمجاز وأن الأصل في الكلام وفي ألفاظ كلام العرب أنها الحقائق، وأنه لا ينتقل إلى مجازات إلا بمسوغ.
الأمر الآخر المهم وهو أن الذي دعا العرب إلى أن تنقل ألفاظها من موقع إلى موقع أو من مسألة إلى مسألة أو من مكان إلى مكان هو السعة، والتوسع في العربية ورياضة فصاحة لسانها، رياضة عند العرب، وتفنن في التعبير عند التفنن في عرض المعاني، ولو كانت جامدة في ألفاظها لكانت اللغة جافة ومتحجرة، لكن طراوتها وحلاوتها ولطف استعمالها جوز للعرب الذين برعوا في القول وفصح لسانهم وتمكنوا من البيان جوز لهم ذلك أن ينقلوا عباراتهم وألفاظهم من معنى إلى معنى ومن موقع إلى موقع نظرًا للذكاء الذي وظفوه في أذهانهم من حيث انتقال الألفاظ إلى ألفاظ، فاستعاروا الجمادات للأحياء، تقول: فلان جبل من العلم، أنت لا تقول ذلك إلا لأنه ثابت، إذن الداعي لانتقاله إلى المجاز دقة التصوير، ولذلك كان المجاز أدخل في البيان منه في المعاني، لماذا؟ لأن المجاز قام على التصوير، عندما تصور الأشياء تريد أن تصور عظمتها تقول: فلان سحابة في العطاء، هي جماد السحابة لا تعقل، لكنها تدر وتعطي مما ينفع الناس ويقبلون عليه كما في هذه الأيام ولله الحمد، هذه الأمطار الهاطلة التي عمت ولله الحمد بلاد المسلمين وبلاد المملكة بالذات في مواقع كثيرة كما هو حاليًا الآن في المواقع التي بين الرياض والدوادي وشقرا وجهة حفر الباطن وكثير من مواقع المملكة الآن ولله الحمد المطر يتهاطل عليها فنحمد الله -عز وجل- على ذلك، فنذكر هذه النعمة لنشكره -جل وعز- ونستزيده أيضًا من فضله فأقول: إن الداعي للاستعمال هو المرونة عند العرب .. التفنن في الإبداع والتعبير، الثالث: التطرية، تطرية العربية والتفنن في هذا.
نعود إلى مسألة موقف العلماء.
قبل هذا: متى قيل بالمجاز؟ في أي زمن؟
المجاز كغيره من مصطلحات علوم العربية كالتوكيد كالحذف كالذكر كقول الفاعل أو المفعول به وغيره، هذه مصطلحات علمية حدثت في أثناء فترة تدوين العلوم، وفي الوقت ذاته تفريع جزئيات هذا العلوم.
يعني من القرن الثاني؟.
في نهاية أو في منتصف القرن الثاني بدايات، وفي الثالث بدأ يعمر القول فيه، والرابع أيضًا ظهر واستقر كثير من العلوم.
من أوائل من قال بذلك شيخ العربية"سيبويه"-رحمه الله- المتوفى سنة مائة وثمانين هجرية قال ذلك في كتابه، والمتتبع لكتابه يجد أن كلام سيبويه في هذا ظاهر في مثل قوله -جل وعز-: ? بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ? [سبأ: 33] ، قال عن ذلك: بل مكركم في الليل والنهار، ثم قال: الليل والنهار لا يمكران، وإنما يُمكر فيهما، وإنما قيل ذلك على سبيل التوسع والتجوز، لأن الليل والنهار لا يمكران، ليس لهما حقيقة معنى زمن ظرف، الذي يمكر فيهما أو في زمنها أو في أوقاتهما الناس بحسب مكر كل أحد بعينه الرجل أو المرأة أو الكبير أو الصغير أو كذا، الحاصل: أن سيبويه من أوائل من ذكر ذلك وكذلك تعاقب بعده اللغويون في هذه المسألة.
(يُتْبَعُ)